|
المحاضرة التي ألقاها الأخ فائز اسماعيل في المخيم الثاني لحزب الوحدويين الاشتراكيين حمص - 8 تموز 1988 ايها الاخوه.. موضوع محاضرتنا اليوم هام جدا ذلك لانه يتعلق بالطليعة : ماهى الطليعة، ما هى مواصفاتها وآثارها، ما الفرق بينها وبين سواها.. الطليعة : لغة اشتقت من كلمة (طلع)، حين نقول : طلعت الشمس طلوعاً . هذا يعنى انها ظهرت، وحين نقول طلع الزهر: أي بدأ الزهر. وطلعت على القوم : أي أنني أتيتهم. وقولنا وطلعت عنهم : غبت عنهم ، وطلعت الجبل (بالكسر) : علوته. وحين نقول : طالعت الشىء فهذا يعني اننى اطلعت عليه، يعنى اننى قرأته. وطلعة الرجل : تعنى وجهه ومقدمته، والطلع : طلع النخل معروف ونقول: خرج طلعه، أي أول ما يخرج من النخل ، و الطلع : المأتى، أي السبب و الاصل، و المطلع: العليم، لاحظوا أن الكلمات الجميلة فى اللغة تشتق من الفعل (طلع)، وحين نقول : طليعة الجيش: نعنى مقدمته التى تتقدم الجيش وتبعث لكى تطلع، ومنه جاء الاستطلاع و الاطلاع ، أما كلمة الطلاع ، طلاع الثنايا : تعنى المجرب بالامور. و المطلع : اسم للزمان و المكان من الطلوع : الظهور. والاطلاع : المعرفة بحقيقة الامر . نحن حزب الوحدويين الاشتراكيين نلتزم بالشعب و نحرص عليه و ندافع عنه ونناضل من أجله، الا ان حرصنا هذا لا يعنى أن الشعب- كل الشعب- هو : القدوة وهو الذي يعتبر معينا للثورة ، ان طليعة الشعب هى الاساس فهى طاقته وقدراته وحركته. ماهى طليعة الشعب ؟ نقول : طليعة الشعب : جماهيره ، و السؤال الآن . من طليعة الجماهير؟ نقول ان طليعة الجماهير هى الحزب، فالتسلسل هنا : 1- الشعب 2- الجماهير 3- ا لحزب . والاحزاب من خلال تطلعاتها تنقسم الى قسمين : أما احزاب اقليمية، و اصلاحية، و اما احزاب قومية وثورية، فاذا كان الحزب - أي حزب- هو طليعة الجماهير، فالحزب القومي الاشتراكى التقدمى هو طليعة الاحزاب القطرية الاصلاحية، فيصبح التسلسل الشعب- الجماهير- الحزب الوطنى - الحزب القومي الذي هو طليعة كل القوى الثورية فى الوطن العربى . وفى الحزب نفسه توجد طليعة له، يمكن اعتبارها مقدمته، وهؤلاء المجربون بالامور، والعارفون بحقيقة الأمر، والمسؤولون عنه، و الذين يضعون الامور فى نصابها وهؤلاء يمكن أن يقال عنهم : انهم طليعة الحزب. " ارى من و اجبي هنا ان اعطى الامثلة التاريخية في بلادنا وبلاد الغير: * فى حين بدأ الرسول العربى (ص) نشر رسالة الاسلام بدأ بالطليعة، وما بدأ بعامة الناس اولا، فقد رفع من مستواهم الفكري والنفسى والخلقى لكي يكونوا مؤهلين للريادة، ومن خلال الطليعة بشر بالدين الحنيف، ومن خلالهم انتشر الاسلام ليغمر جانبا كبيرا من العالم القديم، وكانت عمليات الفتح ظاهرة متميزة عن كل ما تعورف عليه من عمليات فتح المدن ، لان مما كانت تقوم به هذه الطليعة كان فتحا للقلوب و العقول ، وكان التبشير بالرسالة سابقا بكل العملياتالاخرى ، ولعل استمرار تلك الشعوب بالتمسك بالدين الذي اعتنقته يؤكد أن القناعة كانت سابقة للغزو . * اقف أمام التجربة الروسية، فلينين هذا القائد الكبير، من خلال الحزب البلشفي اوجد الطليعة الثورية التى حملت مسؤولية التغيير في ثورة اكتوبر الاشتراكية التى غدت منعطفا كبيرا فى تاريخ الانسان . * وحين نستعرض احداث الوحدة الالمانية بعد تمزقها الى ما يزيد عن الثلاثمائة مقاطعة، نجد الدارسين يقفون أمام رجل الدولة الكبير بسمارك، الا ان الذي مهد للوحدة وبشر بها كان فخته الذي انصرف الى الطليعة ووجه خطاباته اليها لكى تحمل مسؤولياتها النضالية و هى تعرف ماذا تريد، ولماذا، و كيف.. * ونفس مايقال عن التجربة الالمانية يقال عن التجربة الايطالية، لانه ماكان من الممكن لغاريبالدي ان بجقق وحدة ايطاليا لولا التمهيد الذي حققه له مازينى من خلال الفكر الذي غرسه فى الطليعة ودفع الى النضال والبطولة. * ولنقف الان أمام التجربة الناصرية لأهميتها عندنا وقربها منا، و لا يجوز لنا الا ان نقومها بموضوعية وتجرد، لقد بدأ الرئيس الخالد جمال عبد الناصر بالطليعة ظنا منه أن رجال الثورة الذين كانوا معه هم الذين يمثلون الطليعة، ولكن هذه الطليعه المزعومة سقطت من خلال اغراءات الحكم و من خلال الفراغ العقائدي ، وعدم تو فر الرصيد النضالى عندها، وتوفر رواسب اكتسبها اغلبهم من الماضى كان متناقضا مع خط الرئيس القائد، هذا و الكثير سواه جعلها تعيش فى غربة عن المسيرة التى كان يقودها الرئيس الخالد، لذلك كان لا بد من الخلاف، لابد من تمزق هذه القيادة، حيث بقى الرئيس جمال عبد الناصر لوحده مع القلة الضئيلة من رجال البداية، لانهم من خلال التجارب سقطوا بل لقد وصل الامر ببعضهم الى التآمر عليه و على الثورة معا . طبعا نحن نقوم هذا الجانب من الظاهرة الناصرية، وهذا النقويم ليس طعنا بها غرضه التشهير والاساءة و إنما دافعه الحب لها والحرص عليها، لاننا نريدها ان تكون متألقة دائما ونبراسا يوجه ويقوم ، بل اننا نثور حين نجد من يحاول النيل من التجربة او الاساءة اليها. ايها الاخو ة المناضلون .. ما كان عبد الناصر شهابا عابرا مرّ فى تاريخ الامة العربية، والحقيقة أن هذا الشهاب أنار للجيل الكثير من مسالك المسيرة واعطى فى ميدان الفكر وميدان النضال، من خلال الممارسة، ومن خلال المسؤولية والمواقف والمنجزات. نخلص مما مر من امثلة- وثمة مئات والوف الامثلة التى يمكن عرضها فى هذا المجال - بأن التاريخ لا يصنع الا من خلال الطلائع ، فالطليعة هى مصنع التاريخ ، والطليعي لا يأتي عفوا ودون جهد، أي أن الطليعي لايولد طليعيا، فالطليعي ينال هذا الامتياز من خلال ما يحمله من مسؤوليات وما يبذله من جهد وما يقفه من مواقف ، وما يعطيه للأمة والوطن . إذا لم يكن الطليعى مالكا لمؤهلات وامكانات تساعده على أن يثبت وجوده، وان يحقق الغرض من هذا الوجود بالمواقف المسؤولة وبالعطاء المسؤول يفقد هذا صفة الطليعي . نحن حزب الوحدويين الاشتراكيين اولينا إهتماما خاصا بموضوع الطليعة، وكنا فى مقدمة الاحزاب السياسية فى القطر العربى السوري وفي الوطن العربي التي اولت اهتماما متميزاً لموضوع الطليعة، ولعلكم تذكرون، اننى منذ اثنتين وعشرين عاماً، أي في عام 1966 كتبت فى مجلة (الوحدوي الاشتراكي) موضوعين متكاملين فى العددين الرابع والخامس- على ما اذكر- حول الطليعة وصفاتها، و نشرت فى الثمانينات فى كتاب (العضوية الحزبية)، ومما قلناه فى ذلك البحث- على ما أذكر- ان الطليعي هو المو اطن العربى الاخلاقي وشرحنا كلمة المواطن والعربي والأخلاقي، وحين عرّفنا الاخلاقي بأنه الذي يملك القيم اشترطنا ان يكون متواضعا و غيرياً وان يملك ميزة المحبة، أي أن ينأى عن ظاهرتى الحقد والكره لانها ردود فعل سلبية، وحين افترضنا القيم له ما طالبنا ان يكون متصوفا، فالتصوف فى نظرنا هروب من المجتمع ومسؤولياته، ونحن مع الالتزام بالمجتمع، ومع العمل الجاد و الدؤوب من أجل تحرير المجتمع من عقده ورواسبه. ثم أضفنا الى صفات الطليعي : الثائر و الوحدوي والاشتراكي ، وشرحنا ما نعنيه من كلمة الثائر و الوحدوي والاشتراكي ، واضفنا اليها الوعي ، ووقفنا مليا امامها نشرحها ونقدم الأمثلة عليها، وفرقنا بين الوعي والثقافة، وأكدنا بأن الوعي أهم من الثقافة لانه التزام ومسؤولية، لذلك بادرنا الى صفتي التفاؤل و الالتزام ، فالطليعي متفائل، واثق من نفسه ومن حزبه ومن شعبه وامته ومن امكان بناء المستقبل ، و التزامه هذا يؤكد هذه الثقة . لأن الثقة تبدأ من الذات لتنتهى بالقدرة على صنع المستقبل . وعرفنا الملتزم بأنه مناضل ، صلب ، جدي ، وكان علينا أن نضيف صفة العطاء الا انه فاتنا ذلك ولو اشرنا اليه في موضوع النضال . نخلص من كل هذا الى القول : ان قولنا الذي طالما رددناه وقبل اكثر من ربع قرن : لا وحدة دون وحدويين ، يعني ان لا وحدة بدون الطليعة ، وقولنا لا اشتراكية دون اشتراكيين ، يعنى أن لا اشتراكية بدون الطليعة ، فالطليعة هي كلمة السر في عمليات التغيير والتقدم والثورة ، وهي الاساس لكل المواقف الكبرى في تاريخ الامم و الشعوب ، و الطليعة لا تأخذ مكانها ولا توضع فى مسارها الا من خلال التنظيم، لأننا حين نسأل أنفسنا : الطليعة على من، ومع من، ومن اجل ماذا؟ نجد ان الحزب هو مجالها الطبيعى، ومن خلال الحزب نجيب على كل هذه الأسئلة.. فالحزب هو الذي يظهر المواهب وينميها ويطورها ويوجهها، لا بل هو ميدان ابراز الطليعيين و الشعب هو مجال الطليعه وميدانها، واذا ابتعد الطليعى عن الشعب فكأنه ابتعد عن مصدر حياته ومبرر وجوده، فالطليعى هو السمكة والشعب هو الماء ، اذا ابتعدت السمكة عن الماء ماتت ، من هنا نستطيع الاجابة على سؤال : على من ؟ .. و القول بأن الشعب مادة التاريخ لا يعنى ان هذا الكم الهائل كان مادة التاريخ وانما الطليعة هى التى كانت المادة بريادتها وتخطيطها واصرارها . ثمة مثال يخطر بذهنى الان وهو انه فى عام 1905 قامت ثورة عارمة في روسيا القيصرية، كانت هذه الثورة عنيفة، قدمت فيها ضحايا لا حصر لها، الا انها لم تنجح وترسخت القيصرية من خلا لها لأنها صفت خصومهما وبررت اجراءاتها القمعية تحت شعار الدفاع عن النفس والقضاء على الفتنة. وفي عام 1917 انتصر الحزب البلشفي، الذي كان يقوده لينين، ولقد اتيح لهذا الحزب أن ينتصر من خلال طليعته، لانه لا حزب ثوري دون طليعة ثورية. الاحزاب كما قلت في مطلع كلمتي هى طليعة الجماهير، والاحزاب القومية هي طليعة الاحزاب السياسية كافة، وطليعة هذه الاحزاب هي التى تكتب التاريخ بالمسؤولية والتخطيط والنضال وهي التى تصنع المعجزات . ثمة حقيقة ارى من الضرورة الاشارة اليها لكى يزول كل لبس فيها، و هى أن الحزب الطليعى ليس بديل العمال والفلاحين وليسى بديل المثقفين ، ولكنه يمثلهم جميعا، تضمهم صفوفه ويحمل همومهم وتطلعاتهم وهو الطليعة لهم . ثمة سؤال يخطر بالذهن الآن : كيف يمكن لنا او لغيرنا ان نقول بأن الحزب هو الطريق الى الثورة اذا كانت قيادته بعيدة عن الثورة ! . هذه مأساة المآسى فى الوطن العربى.. لقد سلمنا بأن الحزب السياسى القومى الاشتراكى . هو الطريق الوحيد الى الثورة لانه يعمل على مستوى الأمة و يلتزم بالاشتراكية والتقدمية، اما اذا كان هذا الحزب يفتقر الى القيادة السياسية الثورية فمن أين نأتى بالثورة ! . هذا موضوع هام ، الثورة لا تأتى لاننا اردناها، لا بد لها من مقومات لكى توجد وتنمو وتترعرع وتتنامى، و هذا لا يتحقق الا من خلال الثوار، و الثوار يعرفون من فكرهم وسلوكهم ومواقفهم وعطائهم ، و اذا ما تربع على عرش الثورة من يفتقر الى الروح الثوري والفكر الثوري و السلوك الثوري و المواقف الثورية فقل على الثورة السلام ، لان الثورة تبقى الفاظا باهته جوفاء لا رصيد لها على ارض الواقع . من هذه المعادلة اخلص الى القول - ونحن فى بحث الطليعة - اذا لم يكن للطلائع ميزاتهم الواضحة و الملموسة على المناضلين فى الاحزاب الاخرى ، كيف يمكن أن يكون لهذا الحزب ميزاته على تلك الاحزاب!.. ميزات الطليعى فى هذا الحزب هى التي تمنح الحزب ميزاته على الاحزاب الاخرى.. أيها الاخوة . من خلال المعاناة ومن خلال التجربة أقول لكم : انه لحزب هرم عاجز- واذا عدنا الى مسابقة البارحة مساء نقول انه حزب خرف - ذلك الحزب الذي لا تعيش قيادته قضيته، اي الذي لا تكون منطلقاته ومواقف قيادته منسجمة انسجاما كاملاً مع منطلقات الحزب و اخلاق الحزب و مواقفه، فالشيخوخة تلازم الشباب حين لايعطون ، و الشباب يلازم الشيوخ حين يعطون ، لذلك دعونى هنا لاقف امام تعريف الشباب : الشباب ليس زمنا من أزمنة الحياة ، و لا يجوز لنا ان نعتبر من وصل الى العقد الثاني او الثالث شابا بحكم العمر الذي وصل اليه، هذا ليس صحيحا، وانما الشباب هو الطاقة، هو القدرة، هو الثقة بالنفس، هو الارادة و العزم و العطاء، هذا هو الشباب ، فكلمة (شيخ) يمكن ان تطلق لفتى في العشرين من العمر لانه متشائم يائس عقيم، لا شباب مع الضعف والعجز والعقم .. وكم من شيخ مسن نعتبره شابا لانه لايزال يثق بنفسه، وبامكاناته وقدراته، وهو صامد يعمل بارادة قوية!. فالشباب كما ترون ليس سناً معيناً وإنما هو الشعور بالنفس و الثقة بالنفس و القدرة و الإرادة و العطاء. فليسأل كل قيادي نفسه عما اعطى ، وما هو موقعه من الاحداث ، لكي يضع نفسه في المكان الصحيح، بل لكى يقوم نفسه كما يجب فالعطاء هو مقياس الشباب !. نخلص من هذا الى القول : ان الطليعة هي شباب الحزب ، لانها مقدمة الحزب وارادته، لا بل هى قدرته وطاقته أيضا . الطليعة هى الشباب ، شباب الحزب طليعته، طليعة الحزب شبابه، هذا هو المنطق الذي يجب ان يسود فى الحزب. الطليعة نموذج، وحين نقول : امين الفرع مثلاً ، نعنى نموذج الفرع فاذا لم يكن هذا الأمين نموذجا فهو خير مؤهل لان يكون امينا للفرع لان ثمة كثيرين يمكن أن ينالوا صفة النموذج وهم في مؤسسات اخرى .. ان امين الفرع الذي يمزق فرعه او تشوبه ظاهرة الشللية هذا ليس مؤمنا على الفرع، وليس مؤهلاً لان يكون قائدا و لا حزبيا لانه خان الأمانة وفقد أبسط مقومات الحزبية، فالشللية تتناقض مع الحزبية. فكم من امين فرع يعتبر ان قوته تأتى من دعم الامين العام له، وهذا طبعا تزوير للحقيقة ، نحن لا ندعم الا من يدعم اخوته، ولسنا ملتزمين الا بمن يلتزم بالحزب وباخوانه، وسلوكنا التقليدي المعروف أن نعبر عن وفائنا وتقديرنا للأكثر وفاء لفرعه وحزبه . حقيقتان تخطران بالذهن الان : 1- لا تتصوروا انه يمكن لمن يتعب بالحزب أن يتآمر عليه، فالذي يستلم المسؤولية فى الحزب دون جهد بذله فيه، ودون تدرج فى مراتب الحزب ومؤسساته يسهل عليه العبث فيه، ومن لا يؤكد ريادته مع الزمن يسهل عليه العبث في الحزب، فالحزب بالنسبة لمن يعمل في مؤسساته ويحمل مسؤولياته كالابن بالنسبة للاب ، وكجزء هام من اعضاء الجسم لا يمكن التفريط فيه . 2- كل المواقف اللئيمة الحاقدة التى مرت على الحزب ما بدأت إلا بالاسلوب الشللى و الفردى والمصلحي، وانتهت هذه المواقف بأنهم غادروا الحزب ترافقهم صفة الخيانة، وطبيعي ان نكافح جميعا كل محاولة ترمى الى الشللية، ان حزبنا وحدة متكاملة متماسكة منسجمة، ما اثرت ولن تؤثر فيها عمليات الغدر اللئيم، حزبنا يقوم على المحبة والوئام والتعاون والتكامل، نغفر لبعضنا الخطأ غير المقصود و القابل للتصحيح ، و لا نسكت على التآمر من أية جهة جاء . ايها الاخوة .. ان حزبنا يطلق كلمة (الاخ) على جميع اعضاء الحزب ، كى يعبر عن التزامه الادبى بكل اعضاء الحزب، وفي ميدان الاخوة يجري التسابق فى العطاء ليأخذ كل موقعه الصحيح، فالقيادي الذي يستمد قوته من موقعه القيادي، وليس من مو اقفة وعطائه، بل وليس من موقعه النضالي ، ليس طليعيا : وليس مؤهلاً للقيادة ، و الاعضاء الذين يستلمون مراكز من خلال الحزب فى مختلف الميادين لا يأخذون صفة القيادة الا اذا اثبتوا جدارتهم بها. نريد قياديين يقوون الموقع الذي يمنحهم اياه الحزب سواء فى المناصب او فى مؤسسات الحزب لا ان يكون الموقع هو كل ما يملكون! وللقيادي الذي لايعطى فكريا وحزبيا ونضالياً و اجتماعياً،، بل الذي لا يتضاعف عطاؤه مع الزمن يجب أن يبقى على هامش العمل الحزبي ، ويجب أن يفقد كل علاقة تربطه بالطليعة ويجب أن يقوّم التقويم الصحيح.. كم من حزبي لم يستلم مراكز قيادية سواء فى مؤسسات الحزب او خارجها، وهو يملك من الطاقات الطليعية مالا يملكه القيادي الذي منحه الحزب ثقته وما كان اهلاً لها! لذلك أقول بموضوعية : انه ليبقى الحزب ضعيفا عاجزا اذا لم تستلم الطليعة مراكزها القيادية فيه . ما اتعس الحزب وما اضعفه و اعجزه حين تكون فى قواعده وفى مؤسساته الاخرى امكانات ثورية خيرا من قياداته!. هذه مأساة عشناها فى حزب البعث العربي الاشتراكي في مرحلة الاربعينات والخمسينات ، لقد كانت الطليعة فى هذا الحزب اكثر جرأة وقوة واكثر وعيا وصفاء و اكثر صمودا وبسالة من القيادة السياسية التى كانت قائمة فى الحزب ، لذلك ذهبت القيادة، وبقيت الطليعة فى حزب البعث العربى الاشتراكى . الطليعة هى الضمانة دائما، و هى صمام الامان للحزب، فهى التى تحرسه إذا أعتدي عليه، وتقومه إذا انحرف أو سقط وهي التى ترد عنه الأخطار وتدفع عنه كل ذلل أو خطأ، وهي الضمان له في الحاضر والمستقبل . حينما أشرت إلى العناصر القيادية التي لاتملك امكانات ثورية كما تملكها بعض القواعد المناضلة، ان هذه القيادات - ورأيى هذا مستقى من تجاربنا وتجارب أحزاب الغير- لابد لهذه القيادات من أن تصبح مع الزمن قوة مضادة داخل الحزب ، و لا أقول ( ثورة مضادة ) لأن العاجزين والمتآمرين لا يملكون صفة الثورة ، لأن الثورة مو قف ايجابى أكثر منه سلبيا، قلت لابد لهذه القيادات العقيمة أن تدافع عن عقمها وفشلها بنقد الحزب مؤسسات وقواعد ومسيرة، وبنقد الأمين العام، لابد لها من أن تشكك وتعمل على أن تسعى داخل الحزب لكي توهن قدراته و امكاناته وتشوه روحه وصفاءه ، وتزور تقاليده و خطه ، وتسعى لإقصاء الحزب عن أهدافه، انها تدافع عن تقصيرها وعقمها بالنقد غير المسؤول ، وبالتشكيك اللئيم بالمواقف والمنجزات والمسيرة إلى ان يكشف أمرها وتنتهى أثرا بعد عين من حياة الحزب.. بالممارسة اليومية يأخذ الطليعيون مواقعهم أو تتخلى القيادات التى أخذت مواقع طليعية عن مواقعها لمن هم أكفأ منهم .. فالممارسة هي الميزان الذي تزن به القيادات، و الحزب الذي لايعيد النظر بصفوفه تقويما ثوريا صادقا وجريئا ليضع كل فى مكانه الصحيح يخسر الكثير، إذ لا ثورية للحزب إلا من خلال ثواره ولا طليعة للحزب إلا من خلال طلائعه. ايها الأخوة . اسمحوا لي ان اقول لكم : ان تثوير المجتمع هدف اساسى من اهدافنا. ولطالما تكلمنا عن الثورة والثوار، وبقيت الثورة طموحا لنا.. ان حزبنا الذي حمل رسالة الامة ودعا الى اسمى أهدافها وتبنى قضيتها الكبرى فى الوحدة و الاشتراكية ( دولة العرب الاشتراكية الكبرى) مطلوب من هذا الحزب أن يغرس الثورة فى نفوس الجماهير، وان يحرك هذا الشعب الغافي على واقع الاستسلام ، ليرفع من مستوى وعيه ونضاله و يدفعه الى حمل مسؤولياته.. تثوير المجتمع لا يأتي بالمحاضرات و لا بالشعارات، و انما يأتى من خلال الثوار النموذج، وهؤلاء لا يأخذون صفة الثوار، الا من خلال التفاعل مع الجماهير، لذلك اعود الى حزبنا الوحدوي الاشتراكي واقول : نحن حزب شعبى كادح منبتا وسلوكا وهدفا، منبتنا الطبقى اننا كادحون ، ليس فينا من يمارس الاستغلال والاستعلاء، لم تضم صفوفنا عناصر بورجوازية لا فكرا ولا ممارسة و لا منبتا، صحيح أن فى صفوفنا- الاطباء و المهندسين والمحامين و الاساتذة ومختلف المهن الحرة الاخرى، ولكن هؤ لاء اثبتوا وجودهم من خلال العلم ولم يأتوا من خلال البورجوازية ! . وكل الذين سعينا اليم لكي يكونوا فى الحزب او سعوا الى حزبنا كانوا يعيشون قضية امتهم وتمتعوا بروح شعبية اصيلة، ومن اخطأنا به وجد نفسه غريبا عنا ففصلناه من صفوفنا او غادرنا قبل فصله. كدحنا ايها الاخوة ليس فى المنبت الطبقي وحسب، و انما فى السلوك ايضا، اننا نعيش مع الشعب، نتعاون معه لانتعالى عليه وانما نتساوى معه . نشاركه افراحه و اتراحه، نتبنى مطالبه، ندافع عنه، ونقاوم خصومه، ونسعى لايصال حقوقه اليه !.. ان العمل مع الجماهير الشعبية علم قائم بذاته، لا يستطيع ان يعمل مع الجماهير أي كان، فالجماهير الشعبية لا تريد ، عطفاً وشفقة، ان العطف و الشفقة يجرحان كرامتها، انها تريد المساواة ، تريد الكرامة، تريد ان تشعر بوجودها، فالحرص على الجماهير والصدق معها والوفاء لها يتم برفع مستوى هذه الجماهير الى ان تحمل مسؤولياتها بكفاءة، وفي موضوع العمل مع الجماهير اشرت اليه في زمن مضى تحت عنوان (الحديث مع الشعب والتعامل معه) ولقد نقل الى كتاب ( في العضوية الحزبية) وهو بين أيديكم . و الطليعى متميز فى علاقاته الحزبية عن بقية الحزبيين ، إنه لايتعالى على اخوانه ، فهو يتحلى بالتواضع و النبل ، مثلاً من خلال العمل الحزبى تحدث اخطاء تقود الى توترات وانفعالات لدى العاديين من الناس ، وينجم عن التوترات والانفعالات ردود فعل قد تكون اكبر من الفعل نفسه، فالطليعي يتلقاها بموضوعية ويعالجها بموضوعية ودون أي انفعال ، لان الانفعال فى هذه المو اقف ردة فعل طائشة و غير متزنة ، و الانسان الهادىء المتزن يعطى رأيا متزنا أما حين يكون منفعلاً عسير عليه أن يعطى الرأي المتزن . ونفس ما يقال عن علاقات الطليعي الحزبية المتزنة يقال عن علاقاته الاجتماعية حيث ينال إحترام معارفه بحسن علاقته معهم .. مأساة المآسي أن يحمل الطليعى أمراض المجتمع التقليدية السائدة بين الناس ، انه حين ينقل هذه الامراض الى الحزب يغدو خطره مضاعفا، لانه اخذ مكانا غير مكانه الصحيح، ولانه باسم الطليعة المزيفة نقل الامراض الى الحزب.. انه باسم الطليعة يبرر وصول امراض المجتمع الى الحزب.. إننا حين نعلم الأعضاء على الدس والوقيعة والنميمة والختل والكذب والرياء والنفاق او التكتل، هذه امراض المجتمع، وحين ننقلها الى الحزب ونحن فى صف القيادة نرتكب أمرا إداً.. يجب ان نكافح هذه المواقف دون هواده ودون مجاملة.. ان الانا لوحدها موقف متخلف في المنطق الثوري لان (الانا) تقود الى كل المساوىء الاخرى ، من خلال الانا تنمو العائلية والعشائرية وحتى الطائفية، من خلال الانا ينبت الحقد، والحاقد ليس انسانا سويا لانه يعيش ردود فعل الانا.. القناعة بالاصلاح هذا من راوسب المجتمع و امراضه، مثلاً نحن نرفض ان تحل مشكلة الفقر بتوزيع الاموال على الناس ، فالاصلاح الذي يدعون اليه هو تخفيف الأزمات وتيسير الامور ورأب الصدع و القبول بالامر الواقع مع تعديله ، الاصلاح اخيرا هو رفض الثورة ، يعنى ان نرفض الحل الكبير و الجذري بالمواقف الصغرى الطارئة . الاستسلام هو من امراض المجتمع ايضا، حين يستسلم المرء لما هو قائم فهذا يعنى انه غير قادر على أن يثبت وجوده . التعالي هو من امراض المجتمع ايضا وهو من رواسب الاقطاعية و البورجوازية عسير علّي ان احصي امراض المجتمع فى هذه العجالة ولكنني وقفت عند الهام منها وهى حين توجد فى الحزب تسىء اليه.. وبعد هذا الاستعراض لامراض المجتمع التى يفترض في الطليعي ان يكون متحررا منها نسأل انفسنا : من هو الطليعى .. الطليعي هو الذي يحمل المسؤولية، وهو الذي يثبت وجوده فى كل المواقف المسؤولة، والمواقف المسؤولة دائما و ابدا هى التى تتوخى مصلحة المجتمع و الامة لا التى تتحجر عند المصالح الشخصية . وهذه المواقف لا تفرض عليه و انما هو الذي يفرضها من خلال الوعي والالتزام والنضال . والطليعى هو الذي يحبه اخوانه الحزبيون ويحترمونه دون رهبة، انه يتغلغل في اعماقهم بحسن معاملته لهم) يتعاون معهم، لايتعالى عليهم، ينال التقدير بكفاءته، فلا يدعي ملكية ما لا يملك من الفكر النير والروح الثوري والعطاء اليومي .. الكل يرى والكل يقوم ويعرف حدود الجميع . وقيمة هذا الطليعى ان يكون نموذجا بالوعي والثورة و العطاء . الطليعى غير المغامر، للمغامر موقف اما أن يخسر او يربح فيه، ليس للمغامر قضية وهو ليس مناضلا، أما الطليعى فهو ملتزم بقضية وبحزب . الطليعي غير الانتهازي ، الانتهازي يسير وفق مصالحه أما الطليعي فيسير وفق قناعته وقناعة حزبه، والفرق كبير بين الاثنين، وشتان بين من تسيره مصالح امته وشعبه، يعبر عن التزامه بالشعب وحبه له فى كل حين وبين من لا يرى الا مصالحه وذاته.. الطليعي ايجابي، منفتح على الجماهير الشعبية، متعاون معها، يعرف ماذا يريد، ويعرف أيضا مع من يريد و يعرف كيف يريد و يعرف متى يريد .. أقول يعرف ماذا يريد، يعنى انه يعرف اهدافه ويفرق بين المرحلي و الاستراتيجى فيها، ويعرف مع من يريد أي يعرف القوة الاجتماعية المؤهلة لثقته والتى عليه أن يوليها ثقته، ويعرف كيف يريد أي انه يعرف - الوسائل التى يستخدمها فى سبيل الوصول الى اهدافه. و حين نقول : يعرف متى يريد، فالموضوعية في معرفته هذا ان يستفيد من الزمان والمكان .. وحين نقول عن الطليعي انه ثوري متميز نوعيا عن الاخرين، نعنى انه لا ينتظر الامر له بالتحرك لكى يناضل ويعمل، بل ان مجرد التزامه بالحزب هو دعوة له على التحرك و النضال و العطاء، فنضاله يبدأ من التزامه بالحزب ويستمر فى نضاله هذا الى أن يلقى وجه ربه . ايها الأخوة الوحدويون الاشتراكيون.. العلاقة بيننا نحن جميعا ليست كعلاقة العامل برب العمل ولا الحاكم بالمحكوم و لا القوي بالضعيف، بل هى علاقة المناضل بالمناضل وعلاقة الأخ بأخيه، فلا أمر يفرض علينا من فوق، أقول لا امر يفرض علينا بالنضال ، و انما الامر صادر من اعماقنا وبإرادتنا نحن ، اننا نعيش على ما نؤمن به ونمارس ما نحن قانعون به.. ولا نطالب بحقوق، اغتصبت منا و انما المناضل ينتزع حقوقه بمواقفه ونضاله، فالشعوب التى تاخذ حقوقها بنضالها تترسخ هذه الحقوق لها، اما حين تمنح لها هذه الحقوق من القوى الاجتماعية الاخرى فهى مهددة بالاعتداء عليها من جديد لان من يملك القدرة على المنح يملك القدرة على المنع . الطليعي ينتزع حقوقه ومكانته الحزبية من خلال نضاله ومواقفه وعطائه، اما حين تمنح له هذه الصفة من خلال العلا قات او الظروف فهـى عملية تزوير سرعان ما تكشفها المواقف والاحداث لان التزوير لا يمكن أن يستمر إلى مالا نهاية. والطليعة اخيرا شباب فكري ، شباب نضالي ، و عطاء دا ئم ، يتمثل بالارادة الصلبة والمو اقف الصلبة.. انه ما دام الفكر ينمو ويتقدم ، وما دام النضال متواصلاً ، و مادام العطاء مستمرا فأنت شاب وانت طليعي .. لكي تعرفوا انفسكم، لكي تعرفوا مو اقعكم، لكي تعرفوا اذا كنتم طليعيين حقا انظرو ا الى تطوركم الفكري و مواقفكم النضالية وسلوككم الحزبي وعطائكم اليومي .. وتأكدو ا بأن الطليعية لا تمنح منحا وانما تنتزع إنتزاعا كفاءة و جدارة..
|