الوحدة الاشتراكية
الوحدة الاشتراكية
الأمين العام لحزب الوحدويين الاشتراكيين
الأخ فائز اسماعيل
محاضرة ألقيت في مخيم حزب الوحدويين الاشتراكيين
الرقة – نيسان 1986
لو سئلت عن ضمير الشعب، عن روح الشعب، عن ساعد الشعب وقلبه، عن مبرر وجودنا، لقلت: أن ضمير الشعب هو الوحدة، وان اسعاد روحه كامن في الوحدة، وان ساعده للوحدة و قلبه معها، وأن هذه الوحدة هي مبرر وجود الشعب.
نحن العرب غائبون عن مسرح التاريخ لاننا بعيدون عن الوحدة ، محال علينا أن نرتقي سلم الحضارة مادمنا بعيدين عن الوحدة ، ومحال أن يكون لنا وزننا الفاعل في نضال الانسانية الا اذا ملكنا وحدتنا .
كل الامم حققت وحدتها الا العرب ، فقد بقوا مزقا متناثرة هنا وهنالك تصارع بعضها، ويلجأ حكام العرب كل يوم الى جديد يؤكد التجزئة ويعمق الفرقة ويخلق الحزازات و الانقسامات .
مصلحه الحكام العرب في التجزئة والانقسام والتفرق ، ومصلحة القادة العرب في الوحدة . الوحدة طموح قومي سعى اليه المناضلون عبر التاريخ، ودعوا اليه وناضلوا من أجله، واستشهدوا من أجله، وكان الحكام العرب خصوماً كما لهؤلاء المناضلين أكثر مما كان الأجنبي الجاثم على الصدر العربي .
يعرف الحكام العرب جيدا مدى تعلق شعبنا بالوحدة، لذلك رأيناهم يدّعون التعلق بالوحدة لكي يستطيعوا الوصول الى قلوب الجماهير العربية.
حين نستعرض التاريخ العربي الحديث نجد أنه لم يمر حاكم عربي مهما كان مغرقاً في عمالته و أقليميته الا و طرح شعار الوحدة وأعلن حبه له وحرصه عليه وتعلقه به، وانضم إلى جوقة الحكام الوحدويين نظرائه، وفي الوقت نفسه كان يمارس أساليب البطش والأرهاب ضد الوحدويين الحقيقيين .
ليس من حزب في الوطن العربي مهما كان إقليمياً أو رجعياً إلا وطرح شعار الوحدة إلى جانب شعاراته الأخرى ، لأنه يعلم علم اليقين أنه لاسبيل إلى قلوب الجماهير إلا من خلال شعار الوحدة .
فالوحدة عقيدة ونضالا هى كلمة السر في الوصول الى قلوب الجماهير...
ان الجماهير العربية في أقصى المشرق واقصى المغرب، ومهما كان مستواها، تلتقي مع بعضها في الايمان بضرورة الوحدة ، والاستعداد للنضال من أجلها، لانها ترى في الوحدة خلاصها!...
ما أحترمت هذه الجماهير حكامها من خلال عطائهم القطري ، ولكنها تعلقت بهم واحترمت وقدست من وصل منهم الى مستوى القائد من خلال التزامه بالوحدة ونضاله من أجلها وسيره في خطها .
ما ارتبط شعبنا بالقائد الخالد جمال عبد الناصر الا لانه ارتبط اسمه بالوحدة العربية...
وما نراه اليوم من تعلق الجماهير العربية بالقائد الخالد حافظ الأسد هو من خلال ارتباطه بهذا الهدف الكبير ووجوده لوحده في معركة القومية العربية في الخنادق الأمامية ضد اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية عميدة الأمبريالية...
التيار الوحدوي هو اكبر تيار موجود في الوطن العربي ، وانه رغم ما مني به من إخفاق فيمن حملو ا لواء الوحدة ورغم نكسة التجارب التي دعمها وصفق لها شعبنا، فقد بقي ايمانه قويا بها...
التيار الوحدوي هو القوي إلا أن القيادات التي تتصدى له ليست فى مستواه ...
اننا حين نسأل ماذا قدم الوحدويون- على كثرتهم- لمعتقدهم- من مواقف ومنجزات، اننا حين نتحرى الجواب على هذا السؤال نفجع بالحصيلة، إننا لانجد أكثر من التعاطف مع الوحدة، إن أغلب هذه الفصائل الوحدوية ما حملت مسؤولياتها النضالية بموضوعية وجدية من اجل الوحدة ، وما اعطوا للوحدة إلا المزيد من تمزق فصائلها وتمزيق النضال والمناضلين، ان الوحدة منيعة عزيزة لا تنال بالهتاف لها والرغببة بها ورفع أعلامها دون أن ندفع الثمن تضحية وفداء، والنضال الوحدوي لازال مشوشا تشغله ردود الفعل عن الفعل.
ليست المأساة في تعدد الفصائل فحسب لأن هذا يمكن درؤه وتلافيه وتصحيحه حين تصفو النيات وترتفع إلى مستوى الهدف الكبير، ولكننا اليوم نعاني أزمة الصراع والاقتتال فيما بين هذه الفصائل مما يجعلنا نعيد النظر في سلامة الهوية الوحدوية...
نحن في المنطق الدستوري نعيش واقع الشعوب العربية : الشعب السوري والمصري والعراقي و الجزائري... وفي منطق النضال الوحدوي نرفض المنطق الدستوري الذي جاء من مفرزات الإقليمية وفي غفلة من شعبنا، فنقول : الشعب العربي في سورية والشعب العربي في مصر، أي نعتبر الوطن العربي وحدة دستورية يعيش ضمنها شعبها الواحد لإيماننا القوي بأننا شعب واحد...
واذا قال سوانا : العالم العربي قلنا له : هذا خطأ، من الناحية العلمية صحيح حين يأتي من غير العرب، أما أن يأتي هذا التعريف منا فهو خطأ ، هذا العالم وطننا وليس عالما غريباً عنا، اننا حين نقول : (العالم) ، نعبر عن غربتنا عنه وكأننا نقرر حقيقة جغرافية، أما حين نقول : (الوطن) فإننا نعبر عن انتماءنا إليه، والتزامنا به.
لم يكن لشعبنا الواحد إرادة في تعدد الكيانات الاقليمية في الوطن العربي، بل كانت الإرادة التي فرضت تمزق الشعب الواحد إلى شعوب هي إرادة الأجنبي وذوو المصالح الذين التقت مصالحهم مع الأجنبي بالتجزئة للوطن والشعب، والتخلف للوطن والشعب... إن هؤلاء الاقليميين يدركون جيداً أن قيام الوحدة يعني خسارتهم لامتيازاتهم ومكاسبهم، وخسارتهم لمواقعهم ونفوذهم، لذلك نراهم يركبون موجة الوحدة والمشاريع الوحدوية لا لإنجاحها بل لإحباطها، ولكي لاتؤول التجربة إلى الشعب الصادق معها، صاحب المصلحة الحقيقية فيها.
حين وقعت الحرب العالمية الثانية وكان الغربيون بحاجة قصوى إلى شعبنا العربي الذي غدا جيشاً لهم، وإلى ثرواتنا التي غدت طعاماً ولباساً ومواد أولية لهم ، وإلى أراضينا التي غدت مسرحاً لأعمالهم الحربية، وقواعد عسكرية يأخذون حريتهم فيها... لذلك وعدونا بتلبية مطلبنا القومي (الوحدة) إذا نجحوا على أعدائهم دول المحور، وقبل أن تلقي الحرب أوزارها سبق (ايدن) العرب إلى فكرة إقامة (الجامعة العربية)، أي بدل الوحدة العربية يقوم لقاء وتعاون وتنسيق بين الأنظمة العربية والحكام العرب، وحيث ترسخ من خلال الجامعة الكيانات الاقليمية وتصان العروش... واستمر الصراع بين الشعب وحكوماته إذ لم تقم الجامعة بواجبها فى نضال التحرير العربي ولم تقلم هذه الجامعة أظافر الحكام العرب وانما أعطتهم أسلحة جديدة لكبت الشعب وقهره، وبدت مأساة التمزق جلية 1948 حين تصدت هذه القوة المبعثرة المتنافرة للحرب، وكان حكامها يدينون بالولاء للأ سياد اليهود، و هم إذا حركوا الشعب في المسرحية المعروفة فذلك لكي يتخلصوا من نقمته، ومنعوا عنه السلاح الجيد لكي يتخلصوا من عتاب أسيادهم .
واعقب هذد الفضيحة المأساة تحرك الجيش العربي في سورية للتطويح بالأنظمة التي لم تخلص لقضية الشعب، وتحرك جيشنا في مصر أيضآ للسبب نفسه، وكانت محاولات لغسل عار القرون، عار التجزئة بالانتقال إلى رحاب الوحدة ، إلا ان كل ما طرح في ميدان النضال لم يتجاوز إقامة الإتحادات...
لنا نظرة متميزة بالقائد الخالد جمال عبد الناصر، فهو الذي أكد عروبة مصر بعد أن كانت تحبو عربياً وتسابق الريح اقليمياً وفرعونياً، وكان هذا الرجل الكبير مع العرب وللعرب- كل العرب- في نضالهم التحرري والقومي، حبت غدا في زمن قصير رمزاً للوحدة العربية ، وعدواً لدوداً للإستعمار والإمبريالية .
إننا نرفض الأسلوب الناصري الرائج لأن الناصرية في نظرنا ليست رفع صور عبد الناصر وترداد إسمه وحسب، وإنما هي قضية وممارسة ، الناصرية في نظرنا هي في التصدي للصهيونية والامبريالية والرجعية، وهي النضال من اجل وحدة المقاتلين للنضال الموحد من أجل (الوحدة الاشتراكية) ، والناصرية تطالب بتعميق الخط الناصري الوحدوي التقدمي، لطالما قلنا وفي حياة عبد الناصر أن الناصرية هي دعم عبد الناصر وتقويته، وليس في استجداء القوة من اعلامه وراياته وسمعته، وهذا ما قلناه اليوم أن حب حافظ الأسد ليس في الإطراء له ورفع صوره واعلامه وحسب وانما هو في الالتزام بخطه ومواقفه والنضال معه والوفاء له لكي يكون المناضلون دعماً وقوة له وجانباً حياً من نضاله الشامخ..
لقد تطور عبد الناصر وكان في كل عام جديد يضيف جديداً إلى الفكر والنضال وهذا يعني ان الناصرية ليست جامدة وإنما هي متطورة لا تدع الزمن يسبقها، وإنما هي تسابق الزمن وترد على تساؤلاته وحاجاته وتقدمه...
واليوم نشهد جديداً في ساحتنا القومية وهي أن الفكر القومي تطور كثيراً عما كان عليه في الخمسينات ، ولا جدال أن الرئيس حافظ الأسد رفد الفكر القومي الاشتراكي ورفد منطق النضال العربي بالكثير الذى أثرى الفكر والنضال معاً، حيث غدت هذه الإضافات نبراساً للنضال والمناضلين...
أيها الأخوة !..
لا يقلل من أهمية التجربة القومية الرائدة عام 1958 بين سورية ومصر حين نقوّمها التقويم الصحيح ونقول عنها أنها كانت إتحاداً ولم تكن وحدة ، وكلكم " تعلمون أن التجربة هذه لم تصل إلى وحدة القوانين في القطرين ولا وحدة المؤسسات وحتى الوزارات والجيش ... ولقد كنا في حينه من دعاة الوحدة لا الإتحاد، ولعلكم تذكرون لثمعارنا الذي طرحناه :
انه حين تقصر الديموقراطية فالعيب ليس في الديموقراطية لأن الحل عندنا هو فى المزيد من الديموقراطية...
وبالمقابل كنا نقول : الوحدة لاتخطىء، وإنما موظفون في مؤسسات الوحدة هم الذين يخطئون ولا دواء للتجربة الاتحادية إلا بالإنتقال إلى الوحدة ، ولا دواء لتقصير التجربة الوحدوية إلا بالمزيد من الوحدة .
إن حزبنا يرفض الإتحاد هدفاً، ولكننا نقبل به بداية، وسيلة، أو طريقاً إلى الوحدة، نقبل بالاتحاد خطوة من خطوات الوحدة الاندماجية حيث يعيش الشعب الواحد وحدته في دولته الواحدة...
ونرفض طرح شعار الوحدة دون تحديد لها، لأن التاريخ علمنا أنه طالما طرح هذا الشعار وما تضمن شيئاً من طموحات الشعب لأن الرجعية عبثت به...
الحقيقة المؤسفة هي أن المناضلين العرب تقهقروا أمام الرجعية العربية اليوم، وغدا الحكام العرب في العديد من أجزاء الوطن العربي ناطقين باسمهم زوراً وبهتاناً مما جعل الصورة معكوسة.
ان نضالنا نحن الوحدويين الاشتراكيين هو من أجل أن يعود المناضلون إلى مواقعهم الصحيحة وخنادقهم الأمامية لكي يملكوا زمام أمورهم ويسهموا في إزاحة السجف التي تمنع الحقيقة من أن تفرض وجودها على واقعنا، فلا حقيقة تتقدم على الوحدة ، فالوحدة الاشتراكية أولأ، والوحدة الاشتراكية ثانياً، و الوحدة الاشتراكية ثالثاً ...
حين يفتش المناضل العربي في ميادين الفكر الوحدوي عن ضآلته يضيع فى متاهاته، لتعدد الآراء وتناقضها، لأن أغلبهما لم يتجاوز الاسلوب المدرسى التبشيري، أو الوعظي الخطابي...
اؤكد لكم انه ليس من مفكر عربي بل وليس من حزب سياسي حتى يومنا هذا استطاع أن يتجاوز بما طرحه من دراسات مبادىء : ان الوحدة ضرورة بالنسبة للعرب وأن للوحدة مقوماتها المعروفة، وغالباً يذكرون بديلاً عنها مقومات الامة ، وكلنا يعلم ان مقومات الامه هى مبرر قيام الوحدة فقط أما كيف تقوم الوحدة ، ومن هي القوة المسؤولة عنها، وما شكل الوحدة ونظامها وحركتها، وما هو الطريق أو ما هى الطرق اليها، فهذا ما لم يقف عنده المفكرون طويلاً ، اذ مرّوا به مرورا عابرا لأنه يكلف الباحثين جهداً ومسؤولية وفى الاجابة على هذه الامثلة تجاوز للأطر التقليدية التي فرضها الاصلاحيون من المفكرين ...
ان حبنا لأمتنا والتزامنا بها، الزمنا بالتصدي للتشويه والتشويش على أهداف أمتنا ومسيرة نضالها، عاملين فكريا ونضالياً على تجاوز التقليد والمحاكاة ، بل تجاوز أخطاء الماضي من أجل رسم آفاق المستقبل كما نراه وتوضيح الطريق اليه.
حقا ان ما ندعو اليه هو جديد، الا أن ما لا بد من الاعتراف به هو انه جاء خلاصة لتجارب نضالنا الوحدوي ، ان ما نطرحه اليوم في هذا المجال هو جواب : لماذا لم تقم الوحدة ، لماذا فشلت تجارب الوحدة ، وما هو سبب تخلف النضال الوحدوي؟!..
ان كلمة (الوحدة) لم تعد تخيف الحكام العرب الرجعيين، ولم تعد تخيف الصهاينة والامبرياليين، انهم يعرفون جيدا انها صرخة في واد اذا لم تحدد و اذا لم توضع الاسس السليمة لقيامها، واذا لم يقم أصحاب المصلحة الحقيقية فيهـا بالنضال من اجلها وحمل مسؤولياتهم فيها، تماما كما أن نشداننا (السعادة) لا يعني أننا وصلنا اليها، فثمة عوامل لا حصر لها منها ما هو كامن فينا، ومنها ما هو خارج عن ارادتنا يحول بيننا وبين السعادة ، و لاسعادة تنزل على أحد لأنه أرادها وتغزل بها...
اللهم لا ادعاء ولا غرور، اننا طرحنا ما لم يطرحه أحد في ميدان القضية، حين حددنا ماذا نعني بالوحدة، وحين جمعنا كامل تطلعات الامة في هدف واحد هو (الوحدة الاشتراكية).
حين طرحنا (الوحدة الاشتراكية) ثارت ثائرة الكثيرين علينا لأننا تجاوزنا الفكر التقليدي والاطر المفروضة على الفكر والنضال، لقد كان مطلوبا منا أن نبشر بالوحدة و الوحدة فحسب، ثم نعود الى دراسه ما هو مطلوب من أجلها.
لقد كان النضال الوحدوي التقليدي يطالبنا بأن نبشر بالوحدة فقط ، وكأن التبشير بها هو موقف كامل، كان يطالبنا بأن ننحاز الى رموز الوحدة التي فرزتها ظروف الأمس لكي يقال عنا إننا وحدويون... لقد رفضنا هذه القناعات ، وقلنا انها جميعا لا ترفد النضال الوحدوي بالقوة ولا تدعمه، فالوحدوية مسؤولية كاملة، وهذه المسؤولية نظرية نضالية وممارسة معا، لقد حددنا الطريق الوحدوي والمحتوى الوحدوي والمستفيدين من الوحدة حين رفعنا راية الوحدة الاشتراكية .
عندما يحاول حاكمان عربيان أن يقيما وحدة بينهما كنا نقول : ان ذلك ليس هو الوحدة التى نناضل من أجلها، انما هى اجراءات وحدوية تأخذ شكل التنسيق والتعاون ليس غير، لأن الكيانات الاقليمية لما تنصهر بعد، وان أصحاب المصلحة الحقيقية في الوحدة لا يزالون غائبين، وانه لا بد أن تخضع التجربة القومية للامزجة والمصالح ، لهذا كان القائد العربى حافظ الأسد صادقا الصدق كله حين طرح الوحدة مع مصر وليبيا، ومع مصر، ومع العراق، ومع ليبيا ولكن أمزجة الحكام حالت دون انجاح التجربة...
لقد قامت في الوطن العربي العديد من التجارب الوحدوية كما قيل عنها، الا انها في حقيقة الامر لم تكن أكثر من اتحاد وحسب، لذلك كان الشعب غائبا عن كل هذه التجارب، وهذا هو السبب الاساسي في فشلها، اذ لايكفي أن يكون الشعب فيها مؤيدا ومصفقا، وانما لكي تأخذ التجربة جديتها يجب أن يكون الشعب فيها بانيا وموجها ومراقبا، أي يجب أن تكون له ارادته فيها منذ خطواتها الاولى لكي يكون الفاعل فيها والمطور لها بعد حين ... فالتجربة الرائدة بين سورية ومصر ما كانت وحدة وانما كانت اتحادا، ولم تصل الوحدة الى وحدة القوانين و الاقتصاد والادارة والمؤسسات والوزارات والجيوش ... وهذا هو السر فيما آلت اليه بعد ثلاث سنوات ونصف من التجربة!..
ان الذين يتحدثون بالوحدة وهم ضمن حدود القطر لم يتجاوزوه بنضالهم، يمكن اعتبارهم اقليميين مهما أحسنوا فلسفة الوحدة وأشادوا بها... ان النضال الذي تخوضه سورية بقيادة الرئيس المناضل حافظ الاسد يؤكد قوميتها ووحدويتها حين نجدها مع عروبة لبنان ومع تحرير فلسطين وضد محاولات اسقاط الدول العربية في مستنقع العمالة...
يجب أن نعلم جميعا انه لا اشتراكية في قطر عربي مهما حققت هذه المحاولة من عدالة اجتماعية ، وذلك لسببين : ان ميدان الاشتراكية هو الوطن العربى بكامل امكاناته المادية والمعنوية والبشرية لا جانبا منه، ولأن القطر مهما كان كبيرا فهو عاجز عن تحقيق الاشتراكية بحكم تأثره بالاجزاء العربية المجاورة له، وبحكم عجز إمكانات القطر عن اعطاء الاشتراكية مداها، فالاشتراكية القطرية المدعاة لن تتجاوز العمل الاصلاحى والانحياز الى العدل الاجتماعى وتأكيد التنمية الاقتصادية والبشرية ليس غير..
يجب أن نعلم جميعا بأن ميدان الوحدة هو الوطن العربي، وميدان الاشتراكية هو الوطن العربي ، وان جماهير الوحدة هى نفسها جماهير الاشتراكية، و ان جماهير الاشتراكية هي نفسها جماهير الوحدة، وأن أي تشكيك في هذه القناعة هو تجاوز لأهم حقائق النضال العربى وتجارب هذا النضال..
و حدتنا، الاشتراكية شعبية، أي ان مادتها الكادحون العرب الذين يعون واجباتهم و أهدافهم، ويلتزمون باهداف الامة العربية، ويحملون مسؤولياتهم فيها، ويدفعون الضريبة من أجلها. وليس أي كادح هو مادة الثورة، فكم من كادحين خانوا طبقتهم، ان مجرد الانتماء الى الكدح لا يعطي لصاحبه امتيازا ما لم يعزز انتماءه بالنضال والعطاء...
عندما نقول ان وحدتنا شعبية تقوم على الكادحين العرب، فهذا يعنى اننا حرب على الاقطاعيين و البرجوازيين ، وحرب على ركائز التخلف في الوطن العربى .
عندما نكون مع الفضيلة، مطلوب منا أن نحارب الرذيلة .
عندما نكون مع الوحدة، مطلوب منا أن نحارب الاقليمية و الطائفية والقبلية والتجزئة.
وعندما نكون مع الاشتراكية، مطلوب منا أن نحارب الاستغلال وركائزه والتخلف و أسبابه..
لو سألنا كل الحكام البورجوازيين وكل الاحزاب الاصلاحية : أتريدون الوحدة !.. لقالوا جميعا : نعم. واذا كررنا السؤال من جديد : أتريدون الوحدة الاشتراكية!.. لأشاحوا بوجوههم عنا وأنكرونا وأتهمونا وهاجمونا، ذلك لأنهم لا يفهمون من الوحدة الا لقاء الحكام مع بعضهم، والمزاودة على الشعب في وحدوية هذه أبعادها، و لا يستطيعون أن يفهموا أن يتصورا ظاهرة اسمها الوحدة الاشتراكية.
وحتى الوحدة ذات النظام الاشتراكى، والتى تؤثر الوحدة على الاشتراكية وغيرها، والتي يعتبر دعاتها خير من دعا الى الوحدة ، إنها الدعوة الوحدوية التي تسعى الى الوحدة أولا لتفتش عن نظامها ثانيا، وكأن النظام الاشتراكي تابع للوحدة وليسى أصيلأ فيها أو كأن الوحدة والاشتراكية قضيتان متلازمتان وليستا قضية واحدة ( الوحدة الاشتراكية ) .
نحن الوحدويين الاشتراكيين نشترط أن يكون أصحاب المصلحة الحقيقية في الاشتراكية هم جنود الو حدة ، أي يجب أن نبدأ بالاشتراكيين الوحدويين و الوحدويين الاشتراكيين لا فرق ، و هنا تذوب ظاهرة و حدة القمم و البورجوازيات .
دعوني أوضح حقيقة أساسية يجب أن لا تغيب عنا جميعا : وهى أن الجماهير العربية السائبة- غير الملتزمة- لا تستطيع أن تعطي شيئا، ولا حقوق لها في الريادة ، فالجماهير التى نحترمها ونقدرها ونثق فيها هي التي تلتزم بقضية الامة وتناضل من أجلها، فالذين صنعوا التاريخ الحي الشامخ هم الطلائع الشعبية، والذين من خلال صمودهم واقدامهم وعطائهم استطاعوا أن يلموا شمل الشعب حولهم ويصنعوا المعجزات .
اننا نرفض تعدد الاهداف للامة الواحدة ، ان التعدد يضيع المناضلين في متاهات المفاضلة فيما بينهما، فالامة واحدة ، و الوطن واحد، والشعب المناضل من أجل هدف قيام دولة واحدة هو شعب واحد، فلماذا التعدد ولماذا المفاضله بين الاهداف!...
للامه الواحدة - أية امة في التاريخ - هدفها الواحد وهو لمّ شعثها في دولة واحدة...
اننا حين قلنا: لا وحدة بدون اشتراكية ، ولا اشتراكية بدون وحدة ، نقول معها : ليس وحدويا من لم يكن اشتراكيا، وليس اشتراكيا من لم يكن وحدويا، والاشتراكية والوحدوية تبدون سلوكا يومية نمارسه مع بعضنا نعيش أخلاق الوحدة وأخلاق الاشتراكية لكى نكون مؤهلين لنضال الوحدة الاشتراكية و دخول رحابها...
السؤال الآن : لماذا لم نضع الحرية هدفا!..
الطبيعى انه لم يخطر بذهننا مطلقا ان الحرية ليست أساسية في حياة الامم والشعوب، وانما هى في حياتهم البداية و النهاية معا، الا أن ما طرح حول الحريه من تفاسير في مواثيق ومبادىء الاحزاب السياسية لم يكن يتجاوز مفهوم التحرر من السيطرة الاستعمارية أو الدعوة إلى ممارسة الديمقراطية الشعبية أو الحرية السياسية و الحرية الاجتماعية، وهذا كله حققناه واكثر منه في دعوة (الوحدة الاشتراكية)، لأن الوحدة الشعبية الاشتراكية لا تقوم في ظل التبعيه و الاستغلال ، فالوحدة الاشتراكية لا تقوم الا في جو الديمقراطية وحين يكون الشعب مادة الوحدة فالشعب لا يضطهد ذاته، لأنه هو نفسه عبر القرون كان المضطهد (بالفتح) وخلال عهود سحيقة في التاريخ كان غائبا عن السلطة، بل كان مجردا من كل حقوقه، فسلب جهده و هدرت انسانيته، وهذه الوحدة الاشتراكية تعيد اليه حقوقه وتضعه في مكانه الطبيعى . والاشتراكية التي نعنينها في الوحدة الاشتراكية ليست النظام الاقتصادي الذي يقف عند حدود تسديد الحاجات المادية للمواطنين وفق كفاءاتهم وجهدهم ، وانما هي أيضا سيادة الشعب في الميدان الاقتصادي و السياسى والاجتماعى بل والحياتي .
فالاشتراكيه كفاية و عدل ، و سيادة وتقدم .
انها كفاية ترفض وجود حاجات أساسية غير قابلة للاشباع ، و عدالة تحقق المساواة بين المواطنين وترفض الظلم والاستغلال .
و هي سيادة للشعب في قيادة المجتمع والدولة في أسمى حالات الديمقراطية .
وهي تقدم للوطن والمواطن... وهنا أريد أن أؤكد على اننا نرفض اشتراكية الدولة لأن هذه الاشتراكية من فوق ...
والحرية حين تعتبر شعارا قائما بذاته فهي لوحدها تعني بلوغ الشعب والوطن مستوى عاليا من التقدم والمدنية والحضارة تجعل من الشعب والوطن قوة فاعلة قادرة ، وهي حينذاك لا تكون هدف الشعوب المضطهدة أو الممزقة كما يخيل للمرء من خلال الدراسات الرائجة، وانما تغدو هدف الشعوب كافة لأنها أقصى طموحات الانسان في الحياة، وتحققها يعنى الوصول الى أسمى درجات التقدم و التطور، لأننا لا نفهم الحرية- كما يقال- انها ممارسة الديمقراطية ولا نفهمها على أنها نقيض العبودية أو التبعية أي انها التحرر كما يردد البعض، وانما نفهمها القدرة الهائلة للشعب في التحدي، انها تعني مصارعة الطبيعة و الانتصار عليها لا الخضوع لها ، وتعنى المسؤولية الكاملة والقدرة الكاملة معا في مختلف ميادين الحياة والكون ، وكل ما قيل ويقال عن الحرية هو فهم جزئي لجوانب منها، وهو ليس تعريف الحرية، ألم تروا كيف أنهم يقولون بحرية النشر والتعبير والمعتقد، وحرية الاجتماع والتظاهر.. هذه مواقف جزئية من الديمقراطية الشكل وهي ليست الحرية (القضية).. وقبل أن أختم حديثي حول الوحدة الاشتراكية لا بد لي من "الاشارة الى الحقائق الاساسية التالية :
1- البداية في نضال الوحدة الاشتراكية هي أن تقوم على الشعب المنظم، أي أن قاعدة نضالها هي هذه الجماهير المناضلة.
2- وسيلة الوحدة هم الوحدويون الاشتراكيون أي الجماهير العربية الكادحة الملتزمة...
3- هدف الوحدة هو هذه الجماهير أيضا.
فالجماهير الملتزمه بالهدف هي البداية (القاعدة) وهم الوسيلة وهم الهدف لأنهم هم أصحاب المصلحة في الوحدة الاشتراكية، ولن تأخذ الوحدة حقيقتها الا اذا بدأت بالكادحين العرب، ومعهم، ومن أجلهم ومن خلالهم .
نحن نرفض المقولة المتوارثة من عهود الاقطاع و البورجوازية : ان هناك أناسا ولدوا للحكم (سادة)، وأناسا آخرين ولدوا لكي يكونوا محكومين (رعية) ، فالحكم والمسؤولية للاكثر وفاء و التزاما و الأكثر قدرات ومؤهلات..
لا تتصوروا اننا نختلف مع البعث العربى الاشتراكي أو الناصرية فيما تدعو اليه، انهما يلتقيان معنا في هذا الهدف، و اذا تعددت الاهداف عندهما فالأدبيات التي صدرت عنهما سارت في هذا الطريق، فكلاهما اعتبر الشعب مادة الوحدة وهدف الوحدة .
فطريقنا، جميعا طريق واحد هو طريق هذه الامة، وهدفنا هدف واحد هو هذه الامة، أي قيام دولة العرب الاشتراكية...
اننا في طرحنا هذا ننقذ الجيل العربي الجديد من احتمال العبث بالهدف الكبير، وهو على كل حال محاولة منا، سوف يكون التاريخ هو الحكم فيها ، معها أو عليها.
اننا مطالبون باثراء هذا الفكر وتعميقه، لأن الفكر الذي يقف حيث يولد، ومهما كانت ولادته كبيرة و عملاقة، انه يصغر أمام متطلبات الحياة التي تحاصره ان لم يتطور معها.
اننا نؤكد الاستمرارية على المبادىء الاساسية التي قام الحزب من أجلها، ولكن هذا لا يمنعنا من التجدد والتطور من خلالها، فالاستمرارية هنا استمرارية متجددة مبدعة، وليست استمرارية جامدة عقيمة .
تذكرون و لاريب اننا حتى قبل ثلاثة عشر عاما كنا ندعو الى (الوحدة والاشتراكية والحرية) و نحن اليوم نطرح شعار (الوحدة الاشتراكية) .
ما تجمدنا عند صيغة ثابتة وانما كنا نجدد فكرنا ونجدد أنفسنا ونجدد نضالنا ونجدد وسائلنا، وكل تجديد أخذنا به كان من أجل الامة العربية وفي خدمتها، ومن أجل الوطن العربي، من أجل انجاح الثورة العربية.
اننا نمثل الثورة العربية فيما ندعو اليه من فكر، وما نؤكد، من أخلاق وقيم للنضال والمناضلين، ونزود الساحة العربية بفعاليات هائله تمنح أمتنا القوة في نضالها من أجل هدفها الكبير قيام دولة العرب الكبرى الاشتراكية..
أقف عند هذا الحد تاركاً لكم مجال الأسئلة لكي يأخذ الموضوع حقه من الدراسة وشكرا لكم .
الأمين العام لحزب الوحدويين الاشتراكيين
الأخ فائز اسماعيل
محاضرة ألقيت في مخيم حزب الوحدويين الاشتراكيين
الرقة – نيسان 1986
لو سئلت عن ضمير الشعب، عن روح الشعب، عن ساعد الشعب وقلبه، عن مبرر وجودنا، لقلت: أن ضمير الشعب هو الوحدة، وان اسعاد روحه كامن في الوحدة، وان ساعده للوحدة و قلبه معها، وأن هذه الوحدة هي مبرر وجود الشعب.
نحن العرب غائبون عن مسرح التاريخ لاننا بعيدون عن الوحدة ، محال علينا أن نرتقي سلم الحضارة مادمنا بعيدين عن الوحدة ، ومحال أن يكون لنا وزننا الفاعل في نضال الانسانية الا اذا ملكنا وحدتنا .
كل الامم حققت وحدتها الا العرب ، فقد بقوا مزقا متناثرة هنا وهنالك تصارع بعضها، ويلجأ حكام العرب كل يوم الى جديد يؤكد التجزئة ويعمق الفرقة ويخلق الحزازات و الانقسامات .
مصلحه الحكام العرب في التجزئة والانقسام والتفرق ، ومصلحة القادة العرب في الوحدة . الوحدة طموح قومي سعى اليه المناضلون عبر التاريخ، ودعوا اليه وناضلوا من أجله، واستشهدوا من أجله، وكان الحكام العرب خصوماً كما لهؤلاء المناضلين أكثر مما كان الأجنبي الجاثم على الصدر العربي .
يعرف الحكام العرب جيدا مدى تعلق شعبنا بالوحدة، لذلك رأيناهم يدّعون التعلق بالوحدة لكي يستطيعوا الوصول الى قلوب الجماهير العربية.
حين نستعرض التاريخ العربي الحديث نجد أنه لم يمر حاكم عربي مهما كان مغرقاً في عمالته و أقليميته الا و طرح شعار الوحدة وأعلن حبه له وحرصه عليه وتعلقه به، وانضم إلى جوقة الحكام الوحدويين نظرائه، وفي الوقت نفسه كان يمارس أساليب البطش والأرهاب ضد الوحدويين الحقيقيين .
ليس من حزب في الوطن العربي مهما كان إقليمياً أو رجعياً إلا وطرح شعار الوحدة إلى جانب شعاراته الأخرى ، لأنه يعلم علم اليقين أنه لاسبيل إلى قلوب الجماهير إلا من خلال شعار الوحدة .
فالوحدة عقيدة ونضالا هى كلمة السر في الوصول الى قلوب الجماهير...
ان الجماهير العربية في أقصى المشرق واقصى المغرب، ومهما كان مستواها، تلتقي مع بعضها في الايمان بضرورة الوحدة ، والاستعداد للنضال من أجلها، لانها ترى في الوحدة خلاصها!...
ما أحترمت هذه الجماهير حكامها من خلال عطائهم القطري ، ولكنها تعلقت بهم واحترمت وقدست من وصل منهم الى مستوى القائد من خلال التزامه بالوحدة ونضاله من أجلها وسيره في خطها .
ما ارتبط شعبنا بالقائد الخالد جمال عبد الناصر الا لانه ارتبط اسمه بالوحدة العربية...
وما نراه اليوم من تعلق الجماهير العربية بالقائد الخالد حافظ الأسد هو من خلال ارتباطه بهذا الهدف الكبير ووجوده لوحده في معركة القومية العربية في الخنادق الأمامية ضد اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية عميدة الأمبريالية...
التيار الوحدوي هو اكبر تيار موجود في الوطن العربي ، وانه رغم ما مني به من إخفاق فيمن حملو ا لواء الوحدة ورغم نكسة التجارب التي دعمها وصفق لها شعبنا، فقد بقي ايمانه قويا بها...
التيار الوحدوي هو القوي إلا أن القيادات التي تتصدى له ليست فى مستواه ...
اننا حين نسأل ماذا قدم الوحدويون- على كثرتهم- لمعتقدهم- من مواقف ومنجزات، اننا حين نتحرى الجواب على هذا السؤال نفجع بالحصيلة، إننا لانجد أكثر من التعاطف مع الوحدة، إن أغلب هذه الفصائل الوحدوية ما حملت مسؤولياتها النضالية بموضوعية وجدية من اجل الوحدة ، وما اعطوا للوحدة إلا المزيد من تمزق فصائلها وتمزيق النضال والمناضلين، ان الوحدة منيعة عزيزة لا تنال بالهتاف لها والرغببة بها ورفع أعلامها دون أن ندفع الثمن تضحية وفداء، والنضال الوحدوي لازال مشوشا تشغله ردود الفعل عن الفعل.
ليست المأساة في تعدد الفصائل فحسب لأن هذا يمكن درؤه وتلافيه وتصحيحه حين تصفو النيات وترتفع إلى مستوى الهدف الكبير، ولكننا اليوم نعاني أزمة الصراع والاقتتال فيما بين هذه الفصائل مما يجعلنا نعيد النظر في سلامة الهوية الوحدوية...
نحن في المنطق الدستوري نعيش واقع الشعوب العربية : الشعب السوري والمصري والعراقي و الجزائري... وفي منطق النضال الوحدوي نرفض المنطق الدستوري الذي جاء من مفرزات الإقليمية وفي غفلة من شعبنا، فنقول : الشعب العربي في سورية والشعب العربي في مصر، أي نعتبر الوطن العربي وحدة دستورية يعيش ضمنها شعبها الواحد لإيماننا القوي بأننا شعب واحد...
واذا قال سوانا : العالم العربي قلنا له : هذا خطأ، من الناحية العلمية صحيح حين يأتي من غير العرب، أما أن يأتي هذا التعريف منا فهو خطأ ، هذا العالم وطننا وليس عالما غريباً عنا، اننا حين نقول : (العالم) ، نعبر عن غربتنا عنه وكأننا نقرر حقيقة جغرافية، أما حين نقول : (الوطن) فإننا نعبر عن انتماءنا إليه، والتزامنا به.
لم يكن لشعبنا الواحد إرادة في تعدد الكيانات الاقليمية في الوطن العربي، بل كانت الإرادة التي فرضت تمزق الشعب الواحد إلى شعوب هي إرادة الأجنبي وذوو المصالح الذين التقت مصالحهم مع الأجنبي بالتجزئة للوطن والشعب، والتخلف للوطن والشعب... إن هؤلاء الاقليميين يدركون جيداً أن قيام الوحدة يعني خسارتهم لامتيازاتهم ومكاسبهم، وخسارتهم لمواقعهم ونفوذهم، لذلك نراهم يركبون موجة الوحدة والمشاريع الوحدوية لا لإنجاحها بل لإحباطها، ولكي لاتؤول التجربة إلى الشعب الصادق معها، صاحب المصلحة الحقيقية فيها.
حين وقعت الحرب العالمية الثانية وكان الغربيون بحاجة قصوى إلى شعبنا العربي الذي غدا جيشاً لهم، وإلى ثرواتنا التي غدت طعاماً ولباساً ومواد أولية لهم ، وإلى أراضينا التي غدت مسرحاً لأعمالهم الحربية، وقواعد عسكرية يأخذون حريتهم فيها... لذلك وعدونا بتلبية مطلبنا القومي (الوحدة) إذا نجحوا على أعدائهم دول المحور، وقبل أن تلقي الحرب أوزارها سبق (ايدن) العرب إلى فكرة إقامة (الجامعة العربية)، أي بدل الوحدة العربية يقوم لقاء وتعاون وتنسيق بين الأنظمة العربية والحكام العرب، وحيث ترسخ من خلال الجامعة الكيانات الاقليمية وتصان العروش... واستمر الصراع بين الشعب وحكوماته إذ لم تقم الجامعة بواجبها فى نضال التحرير العربي ولم تقلم هذه الجامعة أظافر الحكام العرب وانما أعطتهم أسلحة جديدة لكبت الشعب وقهره، وبدت مأساة التمزق جلية 1948 حين تصدت هذه القوة المبعثرة المتنافرة للحرب، وكان حكامها يدينون بالولاء للأ سياد اليهود، و هم إذا حركوا الشعب في المسرحية المعروفة فذلك لكي يتخلصوا من نقمته، ومنعوا عنه السلاح الجيد لكي يتخلصوا من عتاب أسيادهم .
واعقب هذد الفضيحة المأساة تحرك الجيش العربي في سورية للتطويح بالأنظمة التي لم تخلص لقضية الشعب، وتحرك جيشنا في مصر أيضآ للسبب نفسه، وكانت محاولات لغسل عار القرون، عار التجزئة بالانتقال إلى رحاب الوحدة ، إلا ان كل ما طرح في ميدان النضال لم يتجاوز إقامة الإتحادات...
لنا نظرة متميزة بالقائد الخالد جمال عبد الناصر، فهو الذي أكد عروبة مصر بعد أن كانت تحبو عربياً وتسابق الريح اقليمياً وفرعونياً، وكان هذا الرجل الكبير مع العرب وللعرب- كل العرب- في نضالهم التحرري والقومي، حبت غدا في زمن قصير رمزاً للوحدة العربية ، وعدواً لدوداً للإستعمار والإمبريالية .
إننا نرفض الأسلوب الناصري الرائج لأن الناصرية في نظرنا ليست رفع صور عبد الناصر وترداد إسمه وحسب، وإنما هي قضية وممارسة ، الناصرية في نظرنا هي في التصدي للصهيونية والامبريالية والرجعية، وهي النضال من اجل وحدة المقاتلين للنضال الموحد من أجل (الوحدة الاشتراكية) ، والناصرية تطالب بتعميق الخط الناصري الوحدوي التقدمي، لطالما قلنا وفي حياة عبد الناصر أن الناصرية هي دعم عبد الناصر وتقويته، وليس في استجداء القوة من اعلامه وراياته وسمعته، وهذا ما قلناه اليوم أن حب حافظ الأسد ليس في الإطراء له ورفع صوره واعلامه وحسب وانما هو في الالتزام بخطه ومواقفه والنضال معه والوفاء له لكي يكون المناضلون دعماً وقوة له وجانباً حياً من نضاله الشامخ..
لقد تطور عبد الناصر وكان في كل عام جديد يضيف جديداً إلى الفكر والنضال وهذا يعني ان الناصرية ليست جامدة وإنما هي متطورة لا تدع الزمن يسبقها، وإنما هي تسابق الزمن وترد على تساؤلاته وحاجاته وتقدمه...
واليوم نشهد جديداً في ساحتنا القومية وهي أن الفكر القومي تطور كثيراً عما كان عليه في الخمسينات ، ولا جدال أن الرئيس حافظ الأسد رفد الفكر القومي الاشتراكي ورفد منطق النضال العربي بالكثير الذى أثرى الفكر والنضال معاً، حيث غدت هذه الإضافات نبراساً للنضال والمناضلين...
أيها الأخوة !..
لا يقلل من أهمية التجربة القومية الرائدة عام 1958 بين سورية ومصر حين نقوّمها التقويم الصحيح ونقول عنها أنها كانت إتحاداً ولم تكن وحدة ، وكلكم " تعلمون أن التجربة هذه لم تصل إلى وحدة القوانين في القطرين ولا وحدة المؤسسات وحتى الوزارات والجيش ... ولقد كنا في حينه من دعاة الوحدة لا الإتحاد، ولعلكم تذكرون لثمعارنا الذي طرحناه :
انه حين تقصر الديموقراطية فالعيب ليس في الديموقراطية لأن الحل عندنا هو فى المزيد من الديموقراطية...
وبالمقابل كنا نقول : الوحدة لاتخطىء، وإنما موظفون في مؤسسات الوحدة هم الذين يخطئون ولا دواء للتجربة الاتحادية إلا بالإنتقال إلى الوحدة ، ولا دواء لتقصير التجربة الوحدوية إلا بالمزيد من الوحدة .
إن حزبنا يرفض الإتحاد هدفاً، ولكننا نقبل به بداية، وسيلة، أو طريقاً إلى الوحدة، نقبل بالاتحاد خطوة من خطوات الوحدة الاندماجية حيث يعيش الشعب الواحد وحدته في دولته الواحدة...
ونرفض طرح شعار الوحدة دون تحديد لها، لأن التاريخ علمنا أنه طالما طرح هذا الشعار وما تضمن شيئاً من طموحات الشعب لأن الرجعية عبثت به...
الحقيقة المؤسفة هي أن المناضلين العرب تقهقروا أمام الرجعية العربية اليوم، وغدا الحكام العرب في العديد من أجزاء الوطن العربي ناطقين باسمهم زوراً وبهتاناً مما جعل الصورة معكوسة.
ان نضالنا نحن الوحدويين الاشتراكيين هو من أجل أن يعود المناضلون إلى مواقعهم الصحيحة وخنادقهم الأمامية لكي يملكوا زمام أمورهم ويسهموا في إزاحة السجف التي تمنع الحقيقة من أن تفرض وجودها على واقعنا، فلا حقيقة تتقدم على الوحدة ، فالوحدة الاشتراكية أولأ، والوحدة الاشتراكية ثانياً، و الوحدة الاشتراكية ثالثاً ...
حين يفتش المناضل العربي في ميادين الفكر الوحدوي عن ضآلته يضيع فى متاهاته، لتعدد الآراء وتناقضها، لأن أغلبهما لم يتجاوز الاسلوب المدرسى التبشيري، أو الوعظي الخطابي...
اؤكد لكم انه ليس من مفكر عربي بل وليس من حزب سياسي حتى يومنا هذا استطاع أن يتجاوز بما طرحه من دراسات مبادىء : ان الوحدة ضرورة بالنسبة للعرب وأن للوحدة مقوماتها المعروفة، وغالباً يذكرون بديلاً عنها مقومات الامة ، وكلنا يعلم ان مقومات الامه هى مبرر قيام الوحدة فقط أما كيف تقوم الوحدة ، ومن هي القوة المسؤولة عنها، وما شكل الوحدة ونظامها وحركتها، وما هو الطريق أو ما هى الطرق اليها، فهذا ما لم يقف عنده المفكرون طويلاً ، اذ مرّوا به مرورا عابرا لأنه يكلف الباحثين جهداً ومسؤولية وفى الاجابة على هذه الامثلة تجاوز للأطر التقليدية التي فرضها الاصلاحيون من المفكرين ...
ان حبنا لأمتنا والتزامنا بها، الزمنا بالتصدي للتشويه والتشويش على أهداف أمتنا ومسيرة نضالها، عاملين فكريا ونضالياً على تجاوز التقليد والمحاكاة ، بل تجاوز أخطاء الماضي من أجل رسم آفاق المستقبل كما نراه وتوضيح الطريق اليه.
حقا ان ما ندعو اليه هو جديد، الا أن ما لا بد من الاعتراف به هو انه جاء خلاصة لتجارب نضالنا الوحدوي ، ان ما نطرحه اليوم في هذا المجال هو جواب : لماذا لم تقم الوحدة ، لماذا فشلت تجارب الوحدة ، وما هو سبب تخلف النضال الوحدوي؟!..
ان كلمة (الوحدة) لم تعد تخيف الحكام العرب الرجعيين، ولم تعد تخيف الصهاينة والامبرياليين، انهم يعرفون جيدا انها صرخة في واد اذا لم تحدد و اذا لم توضع الاسس السليمة لقيامها، واذا لم يقم أصحاب المصلحة الحقيقية فيهـا بالنضال من اجلها وحمل مسؤولياتهم فيها، تماما كما أن نشداننا (السعادة) لا يعني أننا وصلنا اليها، فثمة عوامل لا حصر لها منها ما هو كامن فينا، ومنها ما هو خارج عن ارادتنا يحول بيننا وبين السعادة ، و لاسعادة تنزل على أحد لأنه أرادها وتغزل بها...
اللهم لا ادعاء ولا غرور، اننا طرحنا ما لم يطرحه أحد في ميدان القضية، حين حددنا ماذا نعني بالوحدة، وحين جمعنا كامل تطلعات الامة في هدف واحد هو (الوحدة الاشتراكية).
حين طرحنا (الوحدة الاشتراكية) ثارت ثائرة الكثيرين علينا لأننا تجاوزنا الفكر التقليدي والاطر المفروضة على الفكر والنضال، لقد كان مطلوبا منا أن نبشر بالوحدة و الوحدة فحسب، ثم نعود الى دراسه ما هو مطلوب من أجلها.
لقد كان النضال الوحدوي التقليدي يطالبنا بأن نبشر بالوحدة فقط ، وكأن التبشير بها هو موقف كامل، كان يطالبنا بأن ننحاز الى رموز الوحدة التي فرزتها ظروف الأمس لكي يقال عنا إننا وحدويون... لقد رفضنا هذه القناعات ، وقلنا انها جميعا لا ترفد النضال الوحدوي بالقوة ولا تدعمه، فالوحدوية مسؤولية كاملة، وهذه المسؤولية نظرية نضالية وممارسة معا، لقد حددنا الطريق الوحدوي والمحتوى الوحدوي والمستفيدين من الوحدة حين رفعنا راية الوحدة الاشتراكية .
عندما يحاول حاكمان عربيان أن يقيما وحدة بينهما كنا نقول : ان ذلك ليس هو الوحدة التى نناضل من أجلها، انما هى اجراءات وحدوية تأخذ شكل التنسيق والتعاون ليس غير، لأن الكيانات الاقليمية لما تنصهر بعد، وان أصحاب المصلحة الحقيقية في الوحدة لا يزالون غائبين، وانه لا بد أن تخضع التجربة القومية للامزجة والمصالح ، لهذا كان القائد العربى حافظ الأسد صادقا الصدق كله حين طرح الوحدة مع مصر وليبيا، ومع مصر، ومع العراق، ومع ليبيا ولكن أمزجة الحكام حالت دون انجاح التجربة...
لقد قامت في الوطن العربي العديد من التجارب الوحدوية كما قيل عنها، الا انها في حقيقة الامر لم تكن أكثر من اتحاد وحسب، لذلك كان الشعب غائبا عن كل هذه التجارب، وهذا هو السبب الاساسي في فشلها، اذ لايكفي أن يكون الشعب فيها مؤيدا ومصفقا، وانما لكي تأخذ التجربة جديتها يجب أن يكون الشعب فيها بانيا وموجها ومراقبا، أي يجب أن تكون له ارادته فيها منذ خطواتها الاولى لكي يكون الفاعل فيها والمطور لها بعد حين ... فالتجربة الرائدة بين سورية ومصر ما كانت وحدة وانما كانت اتحادا، ولم تصل الوحدة الى وحدة القوانين و الاقتصاد والادارة والمؤسسات والوزارات والجيوش ... وهذا هو السر فيما آلت اليه بعد ثلاث سنوات ونصف من التجربة!..
ان الذين يتحدثون بالوحدة وهم ضمن حدود القطر لم يتجاوزوه بنضالهم، يمكن اعتبارهم اقليميين مهما أحسنوا فلسفة الوحدة وأشادوا بها... ان النضال الذي تخوضه سورية بقيادة الرئيس المناضل حافظ الاسد يؤكد قوميتها ووحدويتها حين نجدها مع عروبة لبنان ومع تحرير فلسطين وضد محاولات اسقاط الدول العربية في مستنقع العمالة...
يجب أن نعلم جميعا انه لا اشتراكية في قطر عربي مهما حققت هذه المحاولة من عدالة اجتماعية ، وذلك لسببين : ان ميدان الاشتراكية هو الوطن العربى بكامل امكاناته المادية والمعنوية والبشرية لا جانبا منه، ولأن القطر مهما كان كبيرا فهو عاجز عن تحقيق الاشتراكية بحكم تأثره بالاجزاء العربية المجاورة له، وبحكم عجز إمكانات القطر عن اعطاء الاشتراكية مداها، فالاشتراكية القطرية المدعاة لن تتجاوز العمل الاصلاحى والانحياز الى العدل الاجتماعى وتأكيد التنمية الاقتصادية والبشرية ليس غير..
يجب أن نعلم جميعا بأن ميدان الوحدة هو الوطن العربي، وميدان الاشتراكية هو الوطن العربي ، وان جماهير الوحدة هى نفسها جماهير الاشتراكية، و ان جماهير الاشتراكية هي نفسها جماهير الوحدة، وأن أي تشكيك في هذه القناعة هو تجاوز لأهم حقائق النضال العربى وتجارب هذا النضال..
و حدتنا، الاشتراكية شعبية، أي ان مادتها الكادحون العرب الذين يعون واجباتهم و أهدافهم، ويلتزمون باهداف الامة العربية، ويحملون مسؤولياتهم فيها، ويدفعون الضريبة من أجلها. وليس أي كادح هو مادة الثورة، فكم من كادحين خانوا طبقتهم، ان مجرد الانتماء الى الكدح لا يعطي لصاحبه امتيازا ما لم يعزز انتماءه بالنضال والعطاء...
عندما نقول ان وحدتنا شعبية تقوم على الكادحين العرب، فهذا يعنى اننا حرب على الاقطاعيين و البرجوازيين ، وحرب على ركائز التخلف في الوطن العربى .
عندما نكون مع الفضيلة، مطلوب منا أن نحارب الرذيلة .
عندما نكون مع الوحدة، مطلوب منا أن نحارب الاقليمية و الطائفية والقبلية والتجزئة.
وعندما نكون مع الاشتراكية، مطلوب منا أن نحارب الاستغلال وركائزه والتخلف و أسبابه..
لو سألنا كل الحكام البورجوازيين وكل الاحزاب الاصلاحية : أتريدون الوحدة !.. لقالوا جميعا : نعم. واذا كررنا السؤال من جديد : أتريدون الوحدة الاشتراكية!.. لأشاحوا بوجوههم عنا وأنكرونا وأتهمونا وهاجمونا، ذلك لأنهم لا يفهمون من الوحدة الا لقاء الحكام مع بعضهم، والمزاودة على الشعب في وحدوية هذه أبعادها، و لا يستطيعون أن يفهموا أن يتصورا ظاهرة اسمها الوحدة الاشتراكية.
وحتى الوحدة ذات النظام الاشتراكى، والتى تؤثر الوحدة على الاشتراكية وغيرها، والتي يعتبر دعاتها خير من دعا الى الوحدة ، إنها الدعوة الوحدوية التي تسعى الى الوحدة أولا لتفتش عن نظامها ثانيا، وكأن النظام الاشتراكي تابع للوحدة وليسى أصيلأ فيها أو كأن الوحدة والاشتراكية قضيتان متلازمتان وليستا قضية واحدة ( الوحدة الاشتراكية ) .
نحن الوحدويين الاشتراكيين نشترط أن يكون أصحاب المصلحة الحقيقية في الاشتراكية هم جنود الو حدة ، أي يجب أن نبدأ بالاشتراكيين الوحدويين و الوحدويين الاشتراكيين لا فرق ، و هنا تذوب ظاهرة و حدة القمم و البورجوازيات .
دعوني أوضح حقيقة أساسية يجب أن لا تغيب عنا جميعا : وهى أن الجماهير العربية السائبة- غير الملتزمة- لا تستطيع أن تعطي شيئا، ولا حقوق لها في الريادة ، فالجماهير التى نحترمها ونقدرها ونثق فيها هي التي تلتزم بقضية الامة وتناضل من أجلها، فالذين صنعوا التاريخ الحي الشامخ هم الطلائع الشعبية، والذين من خلال صمودهم واقدامهم وعطائهم استطاعوا أن يلموا شمل الشعب حولهم ويصنعوا المعجزات .
اننا نرفض تعدد الاهداف للامة الواحدة ، ان التعدد يضيع المناضلين في متاهات المفاضلة فيما بينهما، فالامة واحدة ، و الوطن واحد، والشعب المناضل من أجل هدف قيام دولة واحدة هو شعب واحد، فلماذا التعدد ولماذا المفاضله بين الاهداف!...
للامه الواحدة - أية امة في التاريخ - هدفها الواحد وهو لمّ شعثها في دولة واحدة...
اننا حين قلنا: لا وحدة بدون اشتراكية ، ولا اشتراكية بدون وحدة ، نقول معها : ليس وحدويا من لم يكن اشتراكيا، وليس اشتراكيا من لم يكن وحدويا، والاشتراكية والوحدوية تبدون سلوكا يومية نمارسه مع بعضنا نعيش أخلاق الوحدة وأخلاق الاشتراكية لكى نكون مؤهلين لنضال الوحدة الاشتراكية و دخول رحابها...
السؤال الآن : لماذا لم نضع الحرية هدفا!..
الطبيعى انه لم يخطر بذهننا مطلقا ان الحرية ليست أساسية في حياة الامم والشعوب، وانما هى في حياتهم البداية و النهاية معا، الا أن ما طرح حول الحريه من تفاسير في مواثيق ومبادىء الاحزاب السياسية لم يكن يتجاوز مفهوم التحرر من السيطرة الاستعمارية أو الدعوة إلى ممارسة الديمقراطية الشعبية أو الحرية السياسية و الحرية الاجتماعية، وهذا كله حققناه واكثر منه في دعوة (الوحدة الاشتراكية)، لأن الوحدة الشعبية الاشتراكية لا تقوم في ظل التبعيه و الاستغلال ، فالوحدة الاشتراكية لا تقوم الا في جو الديمقراطية وحين يكون الشعب مادة الوحدة فالشعب لا يضطهد ذاته، لأنه هو نفسه عبر القرون كان المضطهد (بالفتح) وخلال عهود سحيقة في التاريخ كان غائبا عن السلطة، بل كان مجردا من كل حقوقه، فسلب جهده و هدرت انسانيته، وهذه الوحدة الاشتراكية تعيد اليه حقوقه وتضعه في مكانه الطبيعى . والاشتراكية التي نعنينها في الوحدة الاشتراكية ليست النظام الاقتصادي الذي يقف عند حدود تسديد الحاجات المادية للمواطنين وفق كفاءاتهم وجهدهم ، وانما هي أيضا سيادة الشعب في الميدان الاقتصادي و السياسى والاجتماعى بل والحياتي .
فالاشتراكيه كفاية و عدل ، و سيادة وتقدم .
انها كفاية ترفض وجود حاجات أساسية غير قابلة للاشباع ، و عدالة تحقق المساواة بين المواطنين وترفض الظلم والاستغلال .
و هي سيادة للشعب في قيادة المجتمع والدولة في أسمى حالات الديمقراطية .
وهي تقدم للوطن والمواطن... وهنا أريد أن أؤكد على اننا نرفض اشتراكية الدولة لأن هذه الاشتراكية من فوق ...
والحرية حين تعتبر شعارا قائما بذاته فهي لوحدها تعني بلوغ الشعب والوطن مستوى عاليا من التقدم والمدنية والحضارة تجعل من الشعب والوطن قوة فاعلة قادرة ، وهي حينذاك لا تكون هدف الشعوب المضطهدة أو الممزقة كما يخيل للمرء من خلال الدراسات الرائجة، وانما تغدو هدف الشعوب كافة لأنها أقصى طموحات الانسان في الحياة، وتحققها يعنى الوصول الى أسمى درجات التقدم و التطور، لأننا لا نفهم الحرية- كما يقال- انها ممارسة الديمقراطية ولا نفهمها على أنها نقيض العبودية أو التبعية أي انها التحرر كما يردد البعض، وانما نفهمها القدرة الهائلة للشعب في التحدي، انها تعني مصارعة الطبيعة و الانتصار عليها لا الخضوع لها ، وتعنى المسؤولية الكاملة والقدرة الكاملة معا في مختلف ميادين الحياة والكون ، وكل ما قيل ويقال عن الحرية هو فهم جزئي لجوانب منها، وهو ليس تعريف الحرية، ألم تروا كيف أنهم يقولون بحرية النشر والتعبير والمعتقد، وحرية الاجتماع والتظاهر.. هذه مواقف جزئية من الديمقراطية الشكل وهي ليست الحرية (القضية).. وقبل أن أختم حديثي حول الوحدة الاشتراكية لا بد لي من "الاشارة الى الحقائق الاساسية التالية :
1- البداية في نضال الوحدة الاشتراكية هي أن تقوم على الشعب المنظم، أي أن قاعدة نضالها هي هذه الجماهير المناضلة.
2- وسيلة الوحدة هم الوحدويون الاشتراكيون أي الجماهير العربية الكادحة الملتزمة...
3- هدف الوحدة هو هذه الجماهير أيضا.
فالجماهير الملتزمه بالهدف هي البداية (القاعدة) وهم الوسيلة وهم الهدف لأنهم هم أصحاب المصلحة في الوحدة الاشتراكية، ولن تأخذ الوحدة حقيقتها الا اذا بدأت بالكادحين العرب، ومعهم، ومن أجلهم ومن خلالهم .
نحن نرفض المقولة المتوارثة من عهود الاقطاع و البورجوازية : ان هناك أناسا ولدوا للحكم (سادة)، وأناسا آخرين ولدوا لكي يكونوا محكومين (رعية) ، فالحكم والمسؤولية للاكثر وفاء و التزاما و الأكثر قدرات ومؤهلات..
لا تتصوروا اننا نختلف مع البعث العربى الاشتراكي أو الناصرية فيما تدعو اليه، انهما يلتقيان معنا في هذا الهدف، و اذا تعددت الاهداف عندهما فالأدبيات التي صدرت عنهما سارت في هذا الطريق، فكلاهما اعتبر الشعب مادة الوحدة وهدف الوحدة .
فطريقنا، جميعا طريق واحد هو طريق هذه الامة، وهدفنا هدف واحد هو هذه الامة، أي قيام دولة العرب الاشتراكية...
اننا في طرحنا هذا ننقذ الجيل العربي الجديد من احتمال العبث بالهدف الكبير، وهو على كل حال محاولة منا، سوف يكون التاريخ هو الحكم فيها ، معها أو عليها.
اننا مطالبون باثراء هذا الفكر وتعميقه، لأن الفكر الذي يقف حيث يولد، ومهما كانت ولادته كبيرة و عملاقة، انه يصغر أمام متطلبات الحياة التي تحاصره ان لم يتطور معها.
اننا نؤكد الاستمرارية على المبادىء الاساسية التي قام الحزب من أجلها، ولكن هذا لا يمنعنا من التجدد والتطور من خلالها، فالاستمرارية هنا استمرارية متجددة مبدعة، وليست استمرارية جامدة عقيمة .
تذكرون و لاريب اننا حتى قبل ثلاثة عشر عاما كنا ندعو الى (الوحدة والاشتراكية والحرية) و نحن اليوم نطرح شعار (الوحدة الاشتراكية) .
ما تجمدنا عند صيغة ثابتة وانما كنا نجدد فكرنا ونجدد أنفسنا ونجدد نضالنا ونجدد وسائلنا، وكل تجديد أخذنا به كان من أجل الامة العربية وفي خدمتها، ومن أجل الوطن العربي، من أجل انجاح الثورة العربية.
اننا نمثل الثورة العربية فيما ندعو اليه من فكر، وما نؤكد، من أخلاق وقيم للنضال والمناضلين، ونزود الساحة العربية بفعاليات هائله تمنح أمتنا القوة في نضالها من أجل هدفها الكبير قيام دولة العرب الكبرى الاشتراكية..
أقف عند هذا الحد تاركاً لكم مجال الأسئلة لكي يأخذ الموضوع حقه من الدراسة وشكرا لكم .
الوحدة الاشتراكية