Home بين الديمقراطية الوسيلة والحرية الهدف

بين الديمقراطية الوسيلة والحرية الهدف

بين الديمقراطية الوسيلة والحرية الهدف



عسير على الحركات السياسية أن تعطي للحرية تعريفاً كاملا، ذلك لأن هذه الحركات بحكم التزامها تنظر إليها من جانب واحد وهو الجانب السياسي - الاجتماعي .
وحين نستعرض ما جاء في دساتير ومناهج الأحزاب السياسية نجد أنها رأت الحرية في 1- التحرر من ربقة الاستعمار ونفوذه ومرتكزاته ، 2- والتحرر من ربقة الإقطاع والرأسمالية وآثارهما، 3- ورأتها في ممارسة الديمقراطية، وقليلة هي الأحزاب التي وقفت أمام التحرر الاجتماعي، وإنما كان أغلبها إصلاحيا أعطى للكادحين اهتماما معينا و محدوداً.
1
لقد استعرضت ما كتبته الأحزاب السياسية الكبرى في الوطن العربي وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي والناصرية، ووقفت ملياً أمام دستور حزب البعث العربي الاشتراكي وبعض المنطلقات النظرية، والميثاق الوطني وبيان مارس، فوجدت الأول وأعني به حزب البعث العربي الاشتراكي يشير إلى الحرية في الدستور في المواد التالية:
المبدأ الأول :
(العرب أمة واحدة لها حقها الطبيعي في أن تحيا في دولة واحدة ، وأن تكون حرة في توجيه مقدراتها).
المبدأ الثاني:
(الأمة العربية تختص بمزايا متجلية في نهضاتها المتعاقبة، وتتسم بخصب الحيوية والإبداع ، وقابلية التجدد والانبعاث، ويتناسب انبعاثها دوما مع نمو حرية الفرد ومدى الانسجام بين تطوره وبين المصلحة القومية .
ولهذا فان حزب البعث العربي الاشتراكي يعتبر:
1- حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة، لا يمكن أية سلطة أن تنتقصها.
2- قيمة المواطنين- تقدر بعد منحهم فرصاً متكافئة- بحسب العمل الذي يقومون به في سبيل تقدم الأمة العربية وازدهارها دون النظر إلى أي اعتبار آخر.
المبدأ الثالث :
الاستعمار وكل ما يمت إليه عمل إجرامي يكافحه العرب بجميع الوسائل الممكنة، وهم يسعون ضمن إمكانياتهم المادية و المعنوية إلى مساعدة جميع الشعوب المناضلة في سبيل حريتها.
وجاء في المادة / 3 / من المبادىء العامة :
(والفكرة القومية التي يدعو إليها الحزب هي إرادة الشعب العربي إن يتحرر ويوحد، وأن تعطى له فرصة تحقيق ا لشخصية القومية في التاريخ، وأن يتعاون مع سائر الأمم في كل ما يضمن للإنسانية سيرها القويم إلى الخير والرفاهية.
وفي المادة 4- يقول أن السيادة هي ملك الشعب، وانه وحده مصدر كل سلطة.
وجاء في المادة 17- يعمل الحزب على تعميم الروح الشعبية (حكم الشعب) وجعلها حقيقة حية في الحياة الفردية، ويسعى إلى وضع دستور للدولة يكفل للمواطنين العرب المساواة المطلقة أمام القانون، والتعبير بملء الحرية عن إرادتهم واختيار ممثليهم اختيارا صادقا ويهيىء لهم بذلك حياة حرة ضمن نطاق القوانين.
وجاء في المادة 23- يناضل العرب بكل قواهم لتقويض دعائم الاستعمار والاحتلال وكل نفوذ سياسي أو اقتصادي أجنبي في بلادهم .
وجاء في المادة 24- لما كان الشعب العربي وحده مصدر كل سلطة، لذلك تلغى كل ما عقدته الحكومات من معاهدات واتفاقات وصكوك تخل بسيادة العرب التامة.
وجاء في المادة 25- إن السياسة العربية الخارجية تستهدف إعطاء الصورة الصحيحة عن إرادة العرب بأن يعيشوا أحراراً، وعن رغبتهم الصادقة بأن يجدوا جميع الأمم تتمتع مثلهم بالحرية.
وجاء في المادة 27- المواطنون جميعاً متساوون بالقيمة الإنسانية ، ولذا فالحزب يمنع استثمار جهد الآخرين .
وجاء في البند الثاني من المادة 41 :
الدولة مسئولة عن صيانة حرية القول والنشر والاجتماع والصحافة في حدود المصلحة القومية العليا، وتقديم كل الوسائل والامكانيات التي تحقق هذه الحرية.
وفي البند الثالث:- العمل الفكري من أقدس أنواع العمل، وعلى الدولة أن تحمي المفكرين والعلماء وتشجعهم.
وفي البند الرابع:- فسح المجال- في حدود الفكرة القومية العربية- لتأسيس النوادي وتأليف الجمعيات والأحزاب ومنظمات الشباب ومؤسسات السياحة، والاستفادة من السينما والإذاعة والتلفزة وكل وسائل المدنية الحديثة في تعميم الثقافة القومية وترفيه الشعب.
وجاء في المنطلقات النظرية للحزب في بحث الحرية عنوان جديد وكأنه تعريف للحرية هو "ممارسة الديمقراطية الشعبية ":
الحرية بالنسبة لحزب البعث العربي الاشتراكي كانت تعني أولا التحرر الكامل السياسي والاقتصادي من شتى أشكال السيطرة الاستعمارية...
ثم انصرفت المنطلقات إلى فضح المفهوم البورجوازي- الإقطاعي للحرية، ورأت أن (عبودية الإنسان في أنظمة الاستغلال هي أخطر شكل من أشكال الحرية الإنسانية..) ودعت إلى تصفية أنظمة الاستغلال وتبديل علاقات الإنتاج الرأسمالية لتحرير الإنسان وخلاصه من الضياع والاستغلال.
وذكرّت: (إن الحزب كان يؤكد دوما على ضرورة تلازم الحرية والعدل الاجتماعي) وأشارت إلى (سياسة عدم الالتزام التي كانت تعنى تجنب الانسياق وراء التبعية والابتعاد عن الانغمار في معارك في المعسكرين اليومية والمباشرة والخاصة).
وأدانت (ديكتاتورية الفرد وديكتاتورية البيروقراطية) .
وأدانت (انزلاق بعض فروع الحزب في بعض الفترات إلى تبني البرلمانية واكتساب أصوات الناخبين بطريقة تقليدية).
ورأت (إن السلطة التي تمثل مصالح الجماهير الشعبية هي وحدها القادرة على وقف التسلل الاستعماري الجديد وتصفية مصالحه).
وعرفت المنطلقات النظرية الديمقراطية الثورية بقولها:
( لا يمكن أن تأخذ كل مداها التطبيقي الفعلي إلا إذا قامت على تنظيم شعبي طلائعي يؤمن أوسع وأعمق شكل الديمقراطية الجماهير، وأتاحت المجال لدور طلائعي فعال للعمال والفلاحين خصوصاً وجماهير الكادحين عموماً).
وطبيعي أن هذا التنظيم (يحافط دوما على علاقات عميقة حية بالجماهير، يتقدمها ويبقى مشدوداً بها في نفس الوقت، يعلمها ويتعلم منها، يعيش معها في صلات تفاعل لا صلات وصاية..)
وترى هذه المنطلقات (أن الشرط الأساسي لديمقراطية المجالس الشعبية وثوريتها هي في تكوين هذه المجالس عن طريق الانتخاب الحر المباشر على جميع المستويات في القرية والمدينة والمنطقة والمحافظة .. ثم على المستوى القطري والقومي).
(... والأساس الموضوعي الحاسم لتطبيق الديمقراطية هو اقتدار الطليعة على قيادة أكثرية الجماهير الساحقة قيادة قائمة على ثقة الجماهير الحرة العميقة بهذه الطليعة، لأن حزباً بلا جماهير، لابد أن ينحط إلى عصابة تمارس الطغيان على الجماهير).
وتعطي المنطلقات الطليعة دور الوسيط والقائد لضبط مسيرة الجماهير نحو المستقبل الاشتراكي بشكل علمي وبأسلوب ديمقراطي.
تم تشير إلى طريقة انتخاب هيئات السلطة السياسية من قبل الشعب، والى خضوع الأقلية للأكثرية، وتنظيم الجماهير في نقابات واتحادات ومنظمات وتوعيتها.
ويؤكد على الحزب القائد، ويشترط عليه قدرته على قيادة الأغلبية الساحقة من الجماهير، ويشير إلى ممارسة الديمقراطية الداخلية في الحزب القائد، ثم يتكلم عن الظروف الموضوعية المطلوبة منه بوضوح سياسته وكفاحه الدائم ضد ظواهر التخلف والانحراف، والى التثقيف العلمي الدائم في صفوف الحزب، والى التزام الحقيقة أمام الجماهير.
ثم تنهي المنطلقات النظرية بحث الحرية (ممارسة الديمقراطية ا لشعبية) بموضوع تحرير المرأة...
2
أما الحرية الناصرية في الميثاق الوطني 21 أيار1961 فقد جاءت تحت عنوان (عن الديمقراطية السليمة) :
(- إن الديمقراطية هي الحرية السياسية، والاشتراكية هي الحرية الاجتماعية، ولا يمكن الفصل بين الاثنين، أنهما جناحا الحرية الحقيقية، وبدونهما أو بدون أي منهما لا تستطيع الحرية أن تحلّق إلى آفاق الغد القريب.
- إن واجهة الديمقراطية المزيفة لم تكن تمثل إلا ديمقراطية الرجعيين، والرجعية ليست على استعداد لأن تقطع صلتها بالاستعمار أو توقف تعاونها معه).
وربط الميثاق بين الواقع السياسي والاجتماعي حين قال : (من الحقائق البديهية التي لا تقبل الجدل إن النظام السياسي في بلد من البلدان ليس إلا انعكاسا مباشراً للأوضاع الاقتصادية السائدة فيه وتعبيرا دقيقاً للمصالح المتحكمة في هذه الأوضاع الاقتصادية).
(فالديمقراطية على هذا الأساس لم تكن إلا ديكتاتورية الرجعية).
ثم ينتقد الميثاق فقدان الحرية الاجتماعية للجماهير، وللبرلمان الذي لم يكن حامياً لمصالح الشعب وكيف أن حرية التصويت من غير لقمة العيش وضمانها فقدت كل قيمة وأصبحت خديعة مضللة للشعب.. وكيف أن حرية التنظيم الشعبي التي تسند حرية التمثيل الشعبي فقدت هي الأخرى بتأثير هذه الظروف فاعليتها، وعجزت عن التأثير ايجابياً مع الأوضاع المفروضة على الوطن.
وان حرية النقد ضاعت في هذه الفترة بضياع حرية الصحافة.
وان حرية العلم التي كان في مقدورها أن تفتح طاقات جديدة للأمل تعرضت هي الأخرى لنفس العبث تحت حكم الرجعية العربية .
وخلص العرض إلى إن المواطن لا تكون له حرية التصويت في الانتخابات إلا إذا توفرت له ضمانات ثلاثة :
1- أن يتحرر من الاستغلال في جميع صوره.
2- أن تكون له الفرصة المتكافئة في نصيب عادل من الثروة الوطنية.
3- أن يتخلص من كل قلق يبدد أمن المستقبل في حياته.
لأن (الديمقراطية السياسية لا يمكن أن تتحقق في ظل سيطرة طبقة من الطبقات .
إن الديمقراطية حتى بمعناها الحرفي هي سلطة الشعب، سلطة مجموع الشعب وسيادته) إلى أن يقول الميثاق:
(إن تحالف الرجعية ورأس المال المستغل يجب أن يسقط ، ولا بد أن ينفسح المجال بعد ذلك ديمقراطياً للتفاعل الديمقراطي بين قوى الشعب العاملة، وهى الفلاحون والعمال والجنود والمثقفون والرأسمالية الوطنية، إن تحالف هذه القوى الممثلة للشعب العامل هي البديل الشرعي لتحالف الإقطاع مع رأس المال المستغل، وهو القادر على إحلال الديمقراطية السليمة محل الديمقراطية الرجعية.
أن الوحدة الوطنية التي يصنعها تحالف هذه القوى الممثلة للشعب،هي التي تستطيع أن تقيم الاتحاد الاشتراكي العربي ليكون السلطة الممثلة للشعب، والدافعة، لإمكانيات الثورة، والحارسة على قيم الديمقراطية السليمة.
من هنا فإن الدستور الجديد يجب أن يضمن للفلاحين والعمال نصف مقاعد التنظيمات الشعبية والسياسية على جميع مستوياتها بما فيها المجلس النيابي باعتبارهم أغلبية الشعب...
أن سلطة المجالس الشعبية المنتخبة يجب أن تتأكد باستمرار فوق سلطة أجهزة الدولة التنفيذية. )
ثم أشار الميثاق إلى (جماعية القيادة ) والى (التنظيمات التعاونية والنقابية ) والى ( النقد والنقد الذاتي) والى (حرية الصحافة) .
وجاء في برنامج 30 مارس 1968 ما يلي :
(أن ينص الدستور على الصلة الوثيقة بين الحرية الاجتماعية والحرية السياسية، وأن تتوفر كل الضمانات للحرية الشخصية والأمن ، بالنسبة لجميع المواطنين في كل الظروف، وأن تتوفر أيضاً كل الضمانات لحرية الفكر والتعبير والنشر والرأي والبحث العلمي والصحافة).

3

فالبعث العربي الاشتراكي والناصرية يتقاربان مع بعضهما في النظرة إلى الحرية والموقف منها:
• كلاهما أدانا الرجعية العربية ودعا إلى تصفيتها.
• كلاهما أدانا التمثيل النيابي البورجوازي .
• كلاهما ادانا الاستعمار وتصديا له ولعملائه بحزم ودون هوادة ، وربطا التحرر السياسي بالتحرر الاقتصادي .
• كلاهما أعلنا التزامهما بنضال الحرية في العالم.
• كلاهما أدانا الاستغلال في جميع صوره.
• ودعيا إلى حرية النقد وحرية الصحافة والتعبير والتصويت... ودعيا إلى الفرص المتكافئة بين المواطنين، والى جماعية القيادة .
• وتشابها في عنوان الحرية: ( ممارسة الديمقراطية الشعبية ) يقابلها لدى الناصرية: (عن الديمقراطية السليمة).
• ورفع الأول شعار (الوحدة والحرية والاشتراكية) ورفع الثاني شعار (الحرية والاشتراكية والوحدة) .
وهما يختلفان :
• في إن حزب البعث العربي الاشتراكي عالج الحرية كقضية وبالاسم ، ولم يكن للحرية هذا الاهتمام في الميثاق .
• عالج حزب البعث العربي الاشتراكي الموضوع على مستوى الوطن العربي عامة، وسورية خاصة، في حين عالج الميثاق المشكلة كواقع في مصر .
• الميثاق الوطني أكد على الوحدة الوطنية في حين تجاهلها حزب البعث العربي الاشتراكي .
• دعا الميثاق إلى تحالف قوى الشعب العاملة، أما البعث العربي الاشتراكي فقد رأى ذلك من خلال قيادة الحزب للمجتمع .
4
وجاء في فصل الحرية لدى حزبنا (حزب الوحدويين الاشتراكيين) ما يلي:
(يناضل الوحدويون الاشتراكيون في سبيل إعطاء الحرية مداها الكامل على نطاق الوطن العربي والمواطن العربي .
ونعنى بحرية الوطن العربي :
1- التحرر من مخلفات الواقع الفاسد بكل ما فيه من أقطاعية ورأسمالية واحتكار واستغلال وتخلف، وحكم بعيد عن الشعب.
2- التحرر من النفوذ الاجنبى بجميع أشكاله السياسية والاقتصادية والثقافية.
3- مكافحة الاستعمار في كل مكان، سواء على الأرض العربية أو خارجها، لأن الاستعمار يسيء إلى الإنسانية ويهدد مستقبلها.
4- نضال الحرية لا يتجزأ
آ- الحرية واحدة على المستوى القومي سواء كان مجالها سياسياً أم اجتماعياً أم فكرياً ، ذلك أن رفض الاستعمار يجب أن يلازمه رفض الاستغلال، لأن كليهما تآمر على الحرية وانتقاص من الكرامة الإنسانية.
ب- لا اشتراكية دون حرية، ولا وحدة دون حرية.
جـ - الحرية واحدة على المستوى العالمي، لأن المؤمن بالحرية لوطنه يجب أن يؤمن بها لكل الشعوب.
ونعني بحرية المواطن العربي
1- أن يمارس حرية المعتقد والرأي والعمل دون حدود أو قيود ، عن طريق الكلام والنشر والفن والاجتماع والتظاهر.
2- على أن لا تتعارض ممارسة الحرية مع حريات الآخرين، فتمس إنسانيتهم أو حريتهم أو جهدهم أو تهدد سلامة الوطن.
3- لا حرية لأعداء الشعب العربي وغير المؤمنين بالوحدة و الاشتراكية.
4- المواطنون متساوون في قيمهم الإنسانية، يمارسون حقوقهم كاملة، ويؤدون واجباتهم كاملة، دون فارق في الجنس أو الدين أو العرق..
5- يناضل حزبنا في سبيل رفع مستوى المواطنين في مختلف مجالات الحياة ليمارسوا حريتهم كاملة، ذلك إن نمو الحرية في الوطن نمو لطاقات الأمة كلها.
6- مجال الحرية هو مجال بناء الوطن وتقدمه، وما النقد الايجابي إلا أبرز هذه المجالات.
5
وحين نستعرض فكرنا وفكر من سبقنا وعاصرنا في مجال الحرية نجد أنها جميعاً تنطلق من منطلقات واحدة هي :

• التحرر من ربقة الاستعمار ونفوذه وعملائه .
• استلام الشعب الكادح مقدراته.
• تكامل نضال الحرية.
• تصحيح الديمقراطية الرجعية بالديمقراطية الشعبية.
*
الحقيقة التي ما كان من الممكن لها أن تغيب عن ذهن الحركات السياسية كافة أو عن ذهن الدارسين جميعاً هي أن الديمقراطية غير الحرية ، صحيح أن ثمة علاقة وثيقة بينهما ، ولكن هذه العلاقة هي علاقة الحاوي بالمحتوى ، والشجرة بالثمرة ، فالحرية تحتوي الديمقراطية ولا عكس ، ولا تمثل الديمقراطية إلا جانباً من الحرية ، ذلك أن الديمقراطية تقف عند حدود علاقة المواطن بالدولة، والمواطن بالمواطن من خلال الدولة. أما الحرية فتشمل علاقة الإنسان بنفسه، بأسرته، بمجتمعه، بالوطن والمواطن ، بالعالم ، ومع الطبيعة والظروف ، ومع الماضي والحاضر والمستقبل ، أي إن الحرية تدخل في كامل دورة حياة الإنسان والإنسانية لتغدو الحرية هي الأم لكل المعاني النبيلة في الحياة.
فالتحرر من التبعية والتجزئة والاستغلال والتخلف والاضطهاد هي بعض وسائل الحرية وليس الحرية ، بدليل أننا إذا نلنا الاستقلال طالبنا بالحرية، وإذا حطمنا الاستغلال طالبنا بالحرية، بل وإذا حققنا الوحدة والاشتراكية معاً كان تطلعنا الأول هو إرساء دعائم الحرية حيث يبنى المواطن الحر الإنسان القادر المبدع ، ويبنى الوطن المتقدم الحضاري المنسجم، فالشعوب التي نالت استقلالها وأخذت قسطاً وافراً من التقدم والمدنية لا تزال تتطلع إلى الحرية.
وسواء تحقق وجود الحكم الذي ينصف الشعب ويعطيه حقوقه، أو أمكن وصول الكادحين إلى سدة السلطة ، فهذا لم يعد كافياً للحكم على أن البلاد حققت الديمقراطية، ولنا في التاريخ عشرات الأمثلة... إن هذا يعتبر خطوات ايجابية في ممارسة الديمقراطية...
الديمقراطية نسبية بين حكم وآخر، وهى لا يمكن لها أن تأتى كاملة.
والديمقراطية وسيلة من وسائل الحرية ، والحرية غاية.
والديمقراطية جزء من الحرية، لأن الحرية كلُ يحتوي الديمقراطية والتحرر معاً ويتجاوزهما.
والحرية هي مضمون الصراع البشري عبر التاريخ ، فقداناً لها أو امتلاكاً لجوانب منها .
والأحرار لا يتصارعون مع بعضهم وإنما يتنافسون ويتكاملون ، والحرية لا تعني الوعي والمدنية وحسب ، ولا تعني تحرر العبد من سلطة سيده وحسب ، ولا تعني تحرر الشعب من قيوده وحسب ، ولا تعني سلطة الشعب وحسب ، ولا تعني الاشتراكية ( الكفاية والعدل والتقدم الاجتماعي ) وحسب ، وإنما تعني كل هذا وأكثر منه ، إنها ترتبط بالمبدأ والهدف والمصير ، إنها لا تقوم من خلال مواقف ردود الفعل وحدها ، إنها قضية تحتاج إلى جهد كبير ، وهى حين تبدو صراعا وقتالاً، وتصديا وتحديا، تدفع العدوان وتحطم هياكل الطغيان، وتزيل التجزئة لترسي دعائم الوحدة، وتبدد
مظاهر التخلف لترسي دعائم التقدم والاشتراكية ، فان كل هذا من أجل المبدأ والهدف والمصير...
*
ليست الحرية نقيض العبودية، بدليل إن غير العبد لا يشترط فيه امتلاكه لحريته.
تتحرر الشعوب من الاستعمار، وتحطم قيود الاستغلال، وتملك مقدراتها، وترسي قواعد الديمقراطية في البلاد، وتقطع أشواطاً في سلم المدنية والحضارة ، ويبقى طموحها متجهاً نحو الحرية...
ما كان قبل حين يمثل الحرية في نظر الشعوب يصبح في ذمة التاريخ حين تحققه الشعوب، حيث يبقى هدف الحرية قائماً وله في نظر هذه الشعوب مقومات جديدة .
إن تطلعاتنا سواء كنا أفراداً أم شعوباً فهي التي توجه سلوكنا وأفعالنا ومواقفنا ، وما أفعالنا إلا انعكاس لمواقفنا ومستوياتنا، لانفعالاتنا وطبائعنا، وحاجاتنا ومصلحتنا، وكلما كانت هذه الأفعال والمواقف في الميدان الايجابي البناء الذي يتمثل في مواقف الخير والتضحية والعطاء كالوطنية والقومية والاشتراكية دنت هذه الأفعال من مسار الحرية وارتقت إحدى درجاتها.
وحين تتدنى أفعالنا إلى الميدان السلبي القائم على الشر والرذيلة هوت هذه الأفعال في مسار العبودية، فالشعوب الحية لا تقدم شهداءها مختارة إلا من أجل أهداف نبيلة، سواء كان ذلك في المواقف السلبية كدفع العدوان والشرور والآثام ، أو في المواقف الايجابية من أجل تقدم وبناء الفرد والمجتمع والوطن... أما حين يكون الشر هو الموجّه فهذا يعني أن العبودية توجّه ، لأن الأنا للفرد أو للدولة هي عبودية للذات والمصلحة، لأن الأنا تقود إلى الطمع والجشع (والطمع رذيلة والطموح فضيلة)، فالحقد والحسد والغدر والبخل وما يماثلها هي من أخلاق العبيد وليس من أخلاق الأحرار، إن النفاق والاستغلال والخيانة والظلم هي من أخلاق العبيد أيضا لأن الأحرار لا ينافقون ولا يستغلون ولا يحقدون ولا يخونون ولا يظلمون ...
فالحكام حين يظلمون شعوبهم لا يعبّرون عن حرية، وإنما يعبرون عن عبوديتهم لأنانياتهم ومصالحهم ورواسب المجتمع .
ورجال التاريخ حين ينهجون طريق القسوة مع شعوب العالم لا يعبرون عن حرية أيضاً، وإنما يعبرون عن عبوديتهم لأنانياتهم ومصالحهم...
لذلك وجدنا أغلب الأنبياء والمناضلين أكثر بني البشر ممارسة للحرية، لأنهم عاشوا للأخلاق والفضيلة والإنسانية.
إننا حين نحطم إغراءات الأنا في نفوسنا يحل محلها الضمير الاجتماعي الذي يشعر بوجود الآخرين ويكون معهم حقوقاً وواجبات ، مصلحة وإنسانية...
إننا حين ندعو إلى إزالة الاضطهاد واستلام الكادحين مقدراتهم ونناضل من أجلها، نعبر عن حريتنا أولا من خلال الوعي للمبدأ، ونعبر عن حريتنا ثانياً حين نخوض معارك التحرير هذه، لأن الحرص على الإنسان يبدأ من الحرص على حريته، ولا حرية مع قبول الاضطهاد ولا حرية مع الحاجة والاستغلال والعجز..
نحن نقول إن الحرية لا تقوم إلا من خلال الفضائل والمواقف السامية لذا يرفض القول بحرية الظلم وحرية الاستغلال وحرية القتل والتدمير...
إننا حين نستخدم القوة ضد الاضطهاد لا نعبر عن حقد على الإنسان ، وإنما نعبر عن حقدنا على ظاهرة الاضطهاد التي يمثلها أفراد أو أنظمة، وهذا موقف خير لأنه يتصد ى للشر، بل هو بعض وسائل الحرية لا سيما. وان حب الشعب والحرص على العدل والحق والإنسانية دافعه...
إننا نعاقب الأشرار سبيلا لإزالة الشر وقواعده ، ونزيل الشر سبيلا لفرض الخير الذي هو من أهم سمات الحرية والأحرار.
أننا من خلال النضال لطرد النفوذ الأجنبي والطغيان الداخلي نمهد الطريق إلى مناخ الحرية لأصحاب المصلحة الحقيقية بالحرية، ونعني بهم (الكادحون العرب) ، لأن الطغيان الخارجي والداخلي يعطلان مسيرة الحرية إلى حد بعيد، والمجتمع الذي يفتقر إلى التحرر والعدل والأمن واللقمة والثقافة يحتاج إلى نضال دؤوب من أجل تحطيم معوقات الحرية هذه، لكي تأخذ الحرية طريقها في هذا المجتمع وتنمو وتزدهر وتعطى .
ما أغرق المضطِهد باضطهاده إلا لأن المضطهَدين كانوا واقعين تحت مؤثرات داخلية وخارجية ، مادية ومعنوية، سلبتهم قدرتهم على استيعاب هذه الظاهرة المأساة ، لأنه لا يمكن للنفس البشرية أن تقبل الاضطهاد مهما كانت ضعيفة خائرة.
لقد كان ثمة من يدافعون عن الاضطهاد ويبررونه للحكام الجناة أمثال: لوك وهوبز ويعتبرون حق الملوك حقا إلهيا، تماما كما كان يتصرف في بلادنا بعض رجال الدين وظلم الحكام الطغاة وحاشية النفاق.
إننا حين نسقط عن أنفسنا مسؤولية طرد الواقع الفاسد من حياتنا بالغائية أو السببية التي ننسبها إلى عوامل مادية أو روحية وندع للأجيال القادمة تركة ثقيلة، إننا نعبر عن عجزنا وعقمنا في التصدي لهذا الواقع ، ولو قام كل جيل من أجيالنا العربية بواجبه في تحطيم الفساد لكنا في ظروف أفضل بكثير مما نحن عليه الآن ، وما هذا الواقع الذي نشكو منه إلا تركة أجيالنا السالفة، وثمرة من ثمار جهلنا وعجزنا، و ما احتماؤنا بالحتمية والميتافيزيك إلا تبرير لهذا العجز والعقم .
حين ننشد الحرية من سالبيها والمتآمرين عليها نكون كمن ينشد الماء من السراب ، حين نتصور أن الجائع الذي شبع نال حريته نكون واهمين لأن الحرية ليست في إشباع الحاجات المادية وحسب ...
إن التصدي للبورجوازيين والإقطاعيين والطغاة والمستعمرين هو بعض سبل الحرية وليس الحرية...
الحرية هي في المواقف الايجابية البناءة بعد إزالة معوقات وجودها، فالصفات الخيّرة لا تعتبر استعباداً لمالكيها، فا الحكيم مثلاً ليس عبداً للحكمة وهو الذي تحرر من غموضها وسيطرتها عليه ففتح مغاليقها وأخضعها لإرادته ، وكذلك قولنا عن الشجاع والجواد والعالم و …
وكما إن الحرية فضيلة دائما فهي عطاء دائما:
الحرية تقدم دائماً ، لأنه لا حرية مع التخلف.
الحرية قوة دائماً ، ولا حرية مع الضعف والعجز.
الحرية وحدة دائماً ، ولا حرية مع التمزق والانقسام .
الحرية اشتراكية دائما، ولا حرية مع الاستغلال والطبقية.
الحرية عطاء وإبداع ، ولا حرية مع العقم والانغلاق.
الحرية بناء للوطن والمواطن تظهر آثاره في كل مظاهر الحياة .
الحرية للمجتمع لأنه لا وجود للفرد الحر في مجتمع العبيد ، ولا حرية في الهروب من المجتمع .
والحرية للإنسانية لأنه يعقل أن يقبل الأحرار ببقاء أي هيكل للعبودية.
إن أخلاقنا نفسها انعكاس لموقعنا في المجتمع والحياة ، وهي انعكاس لمدى امتلاكنا لحريتنا، فالخطأ والصواب عند من يملكون حريتهم غيرهما عند من لا يملكون هذه الحرية، وكذلك قولنا عن تقويم الفضيلة والرذيلة، والسعادة والشقاء ، فالحر قوى دائماً والفاقد لحريته ضعيف دائماً، والحر أخلاقي دائماً والفاقد لحريته منحرف دائماً : ويبقى الحر في مستوى متميز رفيع عن سواه .
الحر يرى في الحرية قدرة ، وغير الحر يرى في الحرية حقاً ، لذلك يسعى الأحرار إلى النضال لينتزعوا حريتهم ، وبالمقابل يسعى غير الأحرار إلى المطالبة بها من خصومهم من خلال الاستجداء والحوار ، متجاهلين أن الحرية لا تعطى ولا توهب ، وإنما تؤخذ أخذاً وتنتزع انتزاعاً إذ ليس ثمة جهة معينة ومحددة هي وحدها التي تستطيع منح الحرية ذلك إن بعض السبل إلى الحرية ينبع من الذات نفسها ولا علاقة له بأطراف أخرى...
وحين يتخلى الطاغية عن طغيانه والذئب عن مطاردته للخرفان،أنهما يأخذان صفة (الفاعل)، ويأخذ الآخذ صفة (المفعول)، أي إن من يملك قدرة العطاء يملك قدرة السلب لأنه فاعل في الحالين...
ما خلّد الأحرار في التاريخ إلا لأنهم تجاوزوا ذاتهم وانفصلوا عن الرواسب التي تدفعهم إلى الاستسلام لكي يكونوا في خدمة الإنسان و الإنسانية .
لقد بقيت الحرية عبر القرون أسمى المثل العليا التي تطمح إليها البشرية... وكل جيل من الأجيال كان يسعى إليها بالنضال والبذل والفداء لكي يثبت وجوده في الحياة ، ولا إثبات للوجود إلا من خلال ممارسة الحرية والنضال من أجلها .
فالقوة الكبرى التي تعبث بمصالح الشعوب وتطلعاتها، وتستهتر بالقيم والمثل من خلال العدوان والتوسع على حساب الغير لا تأخذ صفة الحرية، وإنما تأخذ الموقف المعادي للحرية، بل إن مجرد معاداة الشعوب أو حتى النزوع إلى السيطرة والتعالي عليها هو تعبير عن العبودية، فالاستعباد والقتل والتهديد والوعيد والاستغلال من أجل الإثراء والنفوذ والتحكم والسيطرة هي مواقف عبودية للمصالح والأنانيات ؛ إننا نسلب الحرية معناها الأصيل، ونفقدها السمو الذي تميزت به حين نردد مع المستعمرين منطقهم : حرية التوسع، وحرية الاستعباد وحرية الاستغلال...
الحرية تتجلى في السيادة، ولا نعنى بالسيادة أن نسود على الآخرين ونتحكم بهم، وإنما أن نكون أسيادا على أنفسنا، نسيطر على نوازع الشر فيها، لأن الانتصار على الذت هو أول خطوات الحرية، ولا انتصار على الذات إلا إذا تحرر المرء من نوازع النفس وشهواتها ، ومن حب السيطرة والاستعلاء ، ومن الغرور والطمع بالمكانة الاجتماعية المرموقة ، إلا إذا تحرر من قيود المجتمع السلبية والنوازع الشريرة الموروثة كالحقد والجبن وحب الاستغلال وجشع التملك، ألا إذا تحرر من الجهل والعجز، وملك القدرة لكي يكون سيد نفسه، سيد قدره ، وسيد حاضره ومستقبله.
( فإذا انفجرت الحرية مرة في روح إنسان لم يبق للآلهة على هذا الإنسان أية سلطة، إذ إنها قضية إنسانية وللناس الآخرين - لهم وحدهم- أن يتركوه طليقاً أو يخنقوه) (1).
والحر لا يستطيع الحياة في مجتمع العبيد، فهو أما أن يجعل من المواطنين حوله أحراراً بتقديسهم للحرية ونضالهم من أجلها، وإما أن يستشهد دونها بعد أن يترك في نفوس الشعب أنوار الحرية تشع في نفوسهم نضالا وتضحية وعطاء ، وما أصدق سارتر حين قال في مسرحية الذباب :
(إن رجلا حرا في مدينة كنعجة جرباء في قطيع ، سوف يعدي كل مملكتي، ويهدم ما بنيت) (2).
وحين نقول إن الحرية هي السيادة نعني بها السيادة على مستوى الظروف والطبيعة والحياة ، حيث يكون الإنسان فعلا سيد قدره.
وبعد هذا العرض السريع أستطيع القول إنني لم أف موضوع الحرية حقه ، ولم أستعرض آراء الفلاسفة فيه، إلا إنني استطعت أن أنقد الفكر التقليدي الرائج في دراسة الحرية ، واستطعت نقلها من دائرة الديمقراطية إلى دائرة الحياة والكون ، ومن الدولة والمواطن إلى الإنسان والإنسانية والطبيعة مؤكدا إن الإنسان هو محور الحرية ، وان الديمقراطية تعد المناخ للحرية وتمهد الطريق إليها ليس غير.. وان حرية الإنسان تبدأ من استيعابه للظروف ومعطيات الحياة ، ومن وعيه للحقوق والواجبات، والالتزام بالواجبات قناعة لا كراهاً ، والقدرة على انتزاع الحقوق وممارستها فعلاً …
لأن الحرية مسؤولية أولا، والمسؤولية غير الأهلية، فالأهلية ينالها الإنسان بحكم السن ، أما المسؤولية فينالها بحكم القدرة . والأهلية تأتى من خلال الشكل، أما المسؤولية فتنال من خلال المضمون، والمسؤولية لا تحققها القوانين والأعراف ، وإنما تحققها الكفاءة والقدرة . ولا مسؤولية لغير القادر، وكما أن الاستسلام والتواكل طريق إلى العبودية فالإرادة والمسؤولية والقدرة هي الطريق إلى الحرية. فالتحرر من الجهل، والتحرر من الخوف ، والتحرر من الاستسلام للواقع الفاسد وتقاليده وقناعاته ومعطياته خطوات أولى في الطريق إلى الحرية . ذلك أنه لا حرية للجاهل والخائف والعاجز والعقيم ، وإنما الحرية تواكب الوعي والثقة بالنفس والقدرة على النضال، وتحقيق وجود المناضلين حيث يمارس الإنسان إنسانيته دون معوقات...
وتواكب الحرية بعد كل هذا ومع كل هذا ما هو أهم وأثرى ونعنى به التحرر من الظروف ومن سلطة الطبيعة لأن هذا التحرر قمة من قمم نضال الحرية، حيث تكون هي العقل الذي يستوعب ما حوله وأمامه وما ينتظره، وحيث تكون الحرية أيضاً هي الإرادة التي تفرض وجودها في مسيرة الحياة فتلونها بلونها ، لتكون الحرية هي الإرادة الواعية القادرة التي تنظر إلى أمام .
والقول بأن الإنسان يولد حراً، ومذ يرى النور يتدخل المجتمع في حياته ليحدد سلوكه ويوجه فكره وتصرفاته، فيخضعه لقيمه وقناعاته ويجعل منه عبداً ، كلام إنشائي ، لأن المولود لا يملك شيئاً عن مقومات الحرية حين يولد، فلا مسؤولية ولا قدرة ولا شيء...
والقول بأن توفير الوسائل المادية للإنسان يحقق له الحرية، قول ناقص أيضاً، لأن تسديد حاجاته المادية لا يخلق منه هذا الإنسان الحر الفاعل ، وإنما يصون إنسانيته من الهدر ويزبل من أمامه جانباً هاماً من معوقات بناء شخصيته ويؤهله للنضال من أجل الحرية .
والقول الرائج بأن الحرية نقيض العبودية والتبعية غير صحيح وقد عالجنا الفكرة في مكان آخر، إلا أن التحرر من العبودية والتبعية طريق إلى الحرية، أما الحرية هنا فهي نقيض الحتمية و الجبرية معا.
والجبرية كما كان لها أنصارها في بلادنا من عرب ومسلمين، فقد كان لها أنصارها في الغرب وتمثلت في نظرية (الحق الآلهى) باعتبار إن أعمال الناس كافة محدودة مسبقاً بإرادة الله ولا خيار لهم فيها.
إن هذه النظرية ككل نظريات التاريخ تعرضت للهجوم، وكان من
أبرز الثائرين عليها عند العرب (المعتزلة) الذين كانوا مع العقل والإرادة ، حيث رفضوا أن يشقى الإنسان في الحياة والآخرة دون ذنب جناه سوى أنه خصّ بالشقاء سلفاً ، ورفضوا أن يكون هذا عدلاً من الله . طبعاً كان نقيضهم الاشاعرة الذين رأوا أن أول إيمان الإنسان : (أن يؤمن بحكم الله خيره وشره ، حلوه ومره) وان الإنسان لا يملك زمام أموره.
ومن أبرز الثائرين على هذه النظرية في الغرب مارتن لوثر ألالماني 1520 وجان كالفن السويسري 1536 اللذان أكدا حرية الإنسان في الاختيار.
أما الحتمية والضرورة، فهذه تقوم على مبدأ إن الإنسان جزء من الكون ، وما دام الإنسان جزءاً من هذا الكون فهو تابع لنظامه ، وان هذه التبعية تدخله في دوامة الضرورة والحتمية، ومع أن لهذا المبدأ واقعه الملموس والمحسوس، إلا أن الإنسان رفضه من خلال التحدي، ذ لك لأن الإنسان هو المشيئة والرغبة ، والفهم والمعرفة ، والإرادة والفعل ، والنضال والطموح ، والمسؤولية والقدرة.
والضرورة قائمة في الطبيعة وقوانينها، أما الحرية فقائمة في الإنسان وقدراته ، وحتى (بلاك) و (اينشتاين) يقولان إن الحتمية في العلوم الطبيعية لا في العلوم الإنسانية ، ويريان أنه حتى في العلوم الطبيعية ليس ثمة حتمية مطلقة، ولقد ترك للحرية مجال فيها .
*
الحرية لا تقوم في فراغ ، إنها تقوم من خلال مجتمع إنساني، لذلك لا يمكن أن يحققها الحيوان والجماد، وإنما هي حصراً بالإنسان ومجتمعاته، يبنيها العقل وتدعمها الإرادة وتشق طريقها من خلال المسؤولية والقدرة .
والفرد حين ينفر من المجتمع ليعيش مع الطبيعة، فهذا لا يعني أنه انصرف إلى الحرية أو أنه مؤهل لممارسة الحرية، إن هذا الفرد أبعد الناس عن الحرية ، لأن العزلة هروب وعقم ، أما الحرية فهي تحدٍ وتصد ومجابهـة وعطاء…
الإنسان كائن اجتماعي إنساني مبدع ، لذلك لا حرية إلا من خلال المجتمع ، إن الحر ليس الذي يلتزم بأخلاق المجتمع ويكون خادما لها، وإنما هو الذي يفرض أخلاق الأحرار ويكون المترجم لها.
ما كانت الحرية يومأ قيمة سلبية، فهي مصدر القيم الايجابية السامية ، لأنها ثورة الأحرار، وهل الثورة إلا عطاء وبناء وتجديد وتقدم مطرد !..
الاشتراكية الديمقراطية- نسبيا (3)- هي النظام الأمثل لحفظ الإنسان من التشوه والعبث والضياع، وفي منطق الحرية نقول: إن وجود الاشتراكية الديمقراطية (النظام هو في خدمة الإنسان وتسديد حاجاته وحفظ إنسانيته وتفتيح مواهبه ومقدراته وليس العكس). لأن الأصل هو الإنسان لا النظام، فالنظام حين يهن أو يتعثر أو يخطىء يكون الإنسان الحر ضمانته ، أما حين يهن أو يتعثر أو يخطىء هذا الإنسان فلا ضمان بعده...
إنني كعربي أعيش المسؤولية بالنسبة للوطن والأمة أشعر:
أننا- نحن العرب- ومعنا كل شعوب العالم نمر في مرحلة النضال من أجل الحرية.
إننا- نحن العرب- لم نشعر بوجود الحرية في حياتنا ، و لكننا كنا نشعر دائماً بعمليات سلب ما ملكناه منها!.. لم نشعر- نحن العرب - بالحرية تبني حياتنا ، ولكننا شعرنا بها وهي تنتزع من حياتنا لسلبنا ما بقي لنا من كرامة وإنسانية وقدرة.
والحقيقة إننا ما شعرنا بها لأنها كانت موجودة في هذه الحياة ، ولكننا شعرنا بها من خلال ما وصلنا إليه من تمزق وتخلف وجهل ، ومن خلال المقارنة مع حياة الغير، حتى غدا شعورنا بالحرية في بلادنا ودعوتنا لها ونضالنا من أجلها هو الشعور بفقدان الحق والكرامة والإنسانية والقدرة من حياتنا.
وكلما أمعن الطغاة داخل الوطن العربي وخارجه بالإساءة إلى أجيالنا تذكرنا الحرية ، وضاقت نظرتنا إليها لتصبح الحرية - كل الحرية - هي في العمل من اجل رد الإساءة عنا ، استعادة ما فقدناه من حقوق...
وبعد هذا الاستعراض السريع أجدني ملزماً بالتلخيص :
1- لكي يكون للإنسان حراً يجب أن يكون موجوداً، ولا وجود إلا مع الوعي و الإرادة .
2- لكي تكون موجودا وذا إرادة يجب إن يكون مسئولا، ولا مسؤولية إلا في القدرة .
3- لكي تكون مسئولا قادراً يجب أن تكون موجوداً في نضال أمتك تعطي وتبدع وتخلق الأحرار، وأن تكون مع الجماهير الكادحة تناضل معها وبها ومن أجلها ، وأن تكون موجوداً في نضال شعوب العالم من أجل الحرية ...
أما على مستوى الحرية القضية:
1- إن جميع الحركات السياسية في الوطن العربي وخارجه عرّفت الحرية بالتحرر والديمقراطية (حكم الشعب).
2- إن مفهوم الحرية أوسع مما طرحته الحركات السياسية ، ومنها نحن حزب الوحدويين الاشتراكيين، وما التحرر والديمقراطية إلا الطريق إلى الحرية.
3- الحرية ليست نقيض العبودية والتبعية- بالمفهوم الرائج لهما- وإنما هي نقيض الجبرية والحتمية معا.
4- الحرية نسبية دائماً.
5- الحرية فضيلة دائماً...
إن حرية العرب في وعى الجماهير العربية لذاتهم ولقضيتهم وظروفهم وإزالة معوقات تخلفهم وتمزقهم .
أن حرية العرب في وحدتهم الاشتراكية...
إن حرية العرب في وعى أبنائهم ، وتفتيح مواهبهم، وحملهم مسؤولياتهم، وفي تفاعلهم مع العالم يعطونه ويأخذون منه، يؤثرون فيه ويتأثرون به، سبيلاً إلى حضارة عربية إنسانية ليعودوا إلى مسرح التاريخ مسؤولين عن رسالتهم وقادرين على نشر أنوارها...

***


هوامش :
(1) الذباب ص 132 جان بول سارتر – ترجمة حسين مكي
(2) المصدر نفسه ص 131 – 132
(3) لسنا نقصد هنا (الاشتراكية الديمقراطية الغربية) وإنما نعني بها النظام الذي يكون فيه الشعب سيدا على المستوى الاقتصادي والسياسي معاً.

الوحدوي الاشتراكي العدد 126 نيسان 1987