Home لحركة العربية الواحدة قضية ... وتصوراً ...

الحركة العربية الواحدة قضية ... وتصوراً ...

الحركة العربية الواحدة
قضية ... وتصوراً ...



بقلم 
الأمين العام لحزب الوحدويين الاشتراكيين 
فائز إسماعيل 

المحاضرة التي القاها الاخ الأمين العام
على الطليعة في آذار 1982

- مقدمة-
لرب سائل يسأل: ما لنا وللحركة العربية الواحدة اليوم، والعرب مزق واشلاء ، فالصراع يحتدم فيما بين المناضلين كل يوم، ويحتدم أيضا بين الدول العربية، ويسقط العرب صرعى بأسلحة عربية، ويتفنن بعض العرب في الكيد لبعضهم ...
ما لنا وللحركة العربية الواحدة والهجمة الامبريالية- الصهيونية تأخذ بخناق المناضلين العرب ، والمؤامرات تحدق بهم من كل جانب، حيث أصبحت الولايات المتحدة الامريكية تصدر القرار في العديد من دول العرب، وحكام هذه الدول يحرصون على مصالح امريكا اكثر من حرصهم على بلادهم، وحيث أصبح لاسرائيل (الجسم الغريب الدخيل) نفوذ في اكثر من قطر عربي، وحيث يهدد العرب بالمزيد من التدخل، والمزيد من النفوذ، وتقوم الاحلاف الامريكية في بلادنا في صيغ عربية وأطراف عربية!..
نجيب هذا السائل وسواه بانه في مرحلة تمويه الهوية العربية ، وتزوير شعارات النضال العربي، ودفع العرب في غير طريقهم الصحيح، نجد انفسنا ملزمين لان نؤكد بان كل هذه الظواهر السوداء دخيلة على العرب، لا تمثل شخصيتهم، لا حقيقتهم أو قضيتهم، ولا يجوز للمناضلين العرب ان ينسوا طريقهم الصحيح من أجل أهدافهم، لان نضال ردة الفعل الذي يمارسونه اليوم هو غير نضال القومية الاشتراكية وانما هو جزء يسيرمنها...
لا يجوز للعرب اليوم أو أي يوم ان ينسوا هدفهم الاستراتيجي من أجل اقامة دولتهم الاشتراكية، وان اغلب ما هو قائم في بلاد العرب هو من صنع اعداء العرب، وهو الحرب الضروس الدائمة لضرب شعار وحدة النضال العربي وافراغه من مضمونه.
فالطائفية التى زرعوها في بلادنا المناضلة خاصة وفي بلاد العرب عامة : هى ورقة سياسية امبريالية- صهيونية يراد منها تصديع الجبهة الوطنية، لكي تكون سدا امام اية وحدة نضال قومى ؛ والجبهة الوطنية التقدمية التي قامت في القطر العربي السوري هي خطوة ايجابية في طريق وحدة النضال العربي، وان كل ما يقوم به العرب اليوم من مواقف نضالية لا يتجاوز نضال الدفاع عن النفس للمخططات المتتالية المفروضة عليهم من الصهيونية والامبريالية ، حتى ليمكن القول بأن الكثير من أهدافنا الكبرى التي كنا نرددها قبل نصف قرن وحققنا جانبا منها آنذاك، أصبحت مجرد ذكرى وتاريخ ، لان المناضلين العرب منصرفون عنها الى معارك الدفاع وحدها .
لقد حققت سورية في مختلف الظروف التي مرت عليها الوحدة الوطنية في الداخل ، ان هذه الوحدة هي التي اسهمت في اسقاط البيان الثلاثي ، ومبدأ ايزنهاور، وحلف بغداد ، ومؤامرات امريكا وانكلترا وفرنسا في الخمسينات ، وهي التي احبطت العدوان الثلاثي على مصر واجهزت على آثاره، وهي بعد كل هذا حققت الوحدة الرائدة بين سورية ومصر ...
فالوحدة الوطنية في الداخل ليست وقفة نضالية وحسب ، وانما هي وقفة حضارية ايضا...
ان كل تصديع للوحدة الوطنية في الداخل هي وقفة عمالة ضد شعبنا وأمتنا وتاريخنا...
ان كل موقف يقرب بين ابناء أمتنا هو في خدمة هذه الامة، وكل موقف يباعد بين ابنائها هو من صنع اعدائها وفي خدمتهم، وطبيعي أيضا أنه لا تحرر للعرب، ولا تقدم ولا نصر لهم الا من خلال لقاء المناضلين العرب مع بعضهم، ووحدة نضالهم ضد اعدائهم، بل وضد الرواسب السلبية والمفرزات الصدئة الدخيلة عليهم ...
نحن مهددون تقا فة وتربية، اقتصادا وسياسة، مهددون بوجودنا وهويتنا العربية ان لم نبادر لوضع أيدينا على الطريق الصحيح للنضال، وطريقنا الصحيح حتما هو نضالنا القومي من أجل قضيتنا القومية. 
والحركة العربية الواحدة التي بقيت حتى اليوم شعارا تردده القوى السياسية القومية في المناسبات، مفروض ان تملأ هذه القوى العنوان الجميل بالصيغة العملية التي يحملها الجيل العربي بوعى وجرأة ليفرض وجوده من خلالها ليس على أعدائه وحسب، وانما على التاريخ، ويبني كيانه القومي في دولة العرب الكبرى .
وما هذه الدراسة التي نقدمها اليوم الى المناضلين العرب الوحدويين الاشتراكيين الا محاولة من محاولاتنا لتسليط الاضواء على أهم الطرق النضالية الى الوحدة الاشتراكية، ولسوف نبذل جهودا مماثلة من أجل الوقوف أمام الطرق الاخرى ...
الثورة العربية بالثوار العرب من المحيط الى الخليج ، ولا ثورة الا بالفكر الثوري والوسائل الثورية والمواقف الثورية، وما الحركة العربية الواحدة الا اهم الطرق الثورية لتحقيق الثورة العربية...

أجيال وأجيال، والامة العربية تخوض معاركها القطرية والقومية، وتقدم ضحاياها رخيصة على مذابح قضاياها الآنية والمستقبلية، فتبرز بطولات وانتصارات، ويبرز جبن وانكسارات، والامة لم تجن ثمار نصرها الا فرحة عابرة ، لتعود ثانية الى مرحلة الانكسار والهوان ... كل ذلك لانها كانت تخوض معاركها هذه مجزأة القوى ، مبعثرة الجهود، مشتة الأهواء، متعددة المواقع والاهداف، ولقد كان خصوم امتنا يخوضون هذه المعارك ضدها داخل البلاد العربية وخارجها بقوى موحدة ، وأهداف واحدة ...
وليس من يجهل بانه ما كان العرب يفتقرون الى البطولة لينتصروا، لان كل أحداث التاريخ أكدت انهم كانوا ابطالا في المعارك التى فرضت عليهم دفاعا عن النفس أو دفاعا عن الكرامة ، ولكنهم ما جنوا من هذه المعارك الا تأكيد الذل والهوان والتمزق لاسيما حين كانت تؤول مقاليد الامور الى خصومهم الذين كانوا يفرغون نشوة النصر من مضمونها ، و ليلقوا على الشعب و قادته مسؤولية الانكسار، وعبر هذا الزمن الطويل ما شكا العرب من الاجنبي الغاصب الدخيل ، اقل مما شكوا من البورجوازي الحاكم العميل ، فكلاهما سلك طريق الاستغلال والقهر والانتهاز، وأثرى على حساب الشعب المضطهد، وما كانت حرية الشعب وديمقراطيته ولقمته بذات بال بالنسبة اليه.
أن عهود الانحطاط والتدهور التي رانت على المجتمع العربي هذا الزمن الطويل، لا تزال تنفث في الجسم العربى سمومها، لتشله وتسلبه قدرات النضال الجدي ، لتؤكد الاقليمية بديلا عن القومية، والظلم الاجتماعي بديلا عن العدل الاجتماعي، والاستغلال بديلا عن الاشتراكية، والاصلاح بديلا عن الثورة .
ان هذا التردي الذي شهدته - ولا تزال تشهده - المنطقة العربية اليوم ، يشير حكما الى ضبابية المستقبل، واضطراب صورته الكالحة، حتى ليشعر المرء انه يسير الى الوراء ، في حين ترتقى شعوب الارض القمم العالية في سيرها الى امام ، كل ذلك لان الامة العربية وهي تخوض صراعها المصيري اليوم حين تتكالب عليها قوى الامبريالية والصهيونية والرجعية . فانها لا تجابه التحديات المفروضة عليها بكامل طاقاتها وقدراتها، وانما تجابهها بالجزء اليسير من هذه الطاقات والقدرات، فالامم والشعوب تخوض معاركها الكبرى بحشد كل طاقاتها، واستفار كل امكاناتها، لكي تركز اعلام التحرير والحرية، والاشتراكية والنصر، لتؤكد لنا وللتاريخ بانه لا قومية من خلال النضال القطري وحده ، ولا ثورية من خلال التأثر بالظروف القطرية وتخطيط النضال وتوجيهه من خلالها، ولتؤكد ايضا بأنه لا نصر قومى من خلال معارك ردود الفعل والدفاع عن النفس ، فالنصر القومي هو في تثبيت القدرة العربية وفرض اهدافها وجني ثمارها، لكي تكون بالنسبة الينا حكم الكادحين العرب لبلادهم لانهم هم مادة الثورة العربية وهم هدفها.
ومأساة المآسي انه كان لحاضر الامة الكالح ، وظروفها الصعبة القاسية، والمآسي التي تطاردها في كل حين، الاثر الكبير في قيام قوى سياسية خلقتها ردود الفعل والمصالح الطبقية، وكان الحقد والسلبية مبرر وجودها، لان ردة الفعل لا تعيش الا في أجواء السلبية والحقد، وما كان للبناء والعطاء أثر في نضال أغلب هذه الحركات ، لان أهداف نضالها كانت تقف عند حدود ازالة العقبات ورفع الحيف واحباط التآمر ...
فالعرب اليوم - وكل يوم- لا يشكون الا من تمزق الامة العربية الى شعوب متنافرة متباعدة ، الا من تمزق الوطن العربي الواحد الى أوطان ، وثمة من يدافعون عن التمزق ، ويحرصون على استمراره ، ويعملون من أجل تمزيق الاداة الثورية الى أدوات ، والشعب الواحد الى شعوب ... والتمزق حتما يقود الى التخلف، والتخلف ثمرة التمزق أيضا ، والتمزق والتخلف هما السبب في اطماع الامبريالية والصهيونية بنا، وهما سبب الانتكاسات المتعددة التي مني بها العرب قطريا وقوميا.
وكان شعبنا يرى نفسه غريبا عن أغلب الدعوات والحركات التي شهدتها بلادنا ، فهو ان وجد فيها بعض ضالته فقد كان يفتقد فيها ما يؤكد هويته وطموحاته وتطلعاته ، فهو ان وجد نفسه في القومية فقد كان يفتقد حقوقه في الاشتراكية ، واذا وجد نفسه في الاشتراكية فقد كان يفتش عن وجوده القومى ، واذا وجد نفسه في رسالة الاسلام فقد كان يفتقد وجوده القومى كاملا، واذا وجد نفسه في وحدة جزئية كوحدة سورية الكبرى أو الهلال الخصيب فقد كان يجد نفسه غريبا عنها، لانها تيجان للملوك وليست تاجا للشعب، وكان دعاتها مرتبطين ليسوا أحراراً ، وعملاء ليسوا مناضلين؛ والشعب بالمقابل حين كان يوجه النقد الى أغلب هذه الحركات فقد كان يفتش ايضا عن الطرح البديل!!.
ليس من ينكر على ان الامة العربية امة واحدة ، لها تاريخها الواحد ، وتقاليدها الواحدة، ومصالحها الواحدة ، وتراثها الروحي والفكري الواحد ؛ وليس من ينكر انها تعيش احاسيس واحدة وتطلعات واحدة تتلخص في قيام دولة كبرى للعرب … ويأتى المناضلون الثوريون ليضعوا أيديهم على اسباب فشل الاجيال السالفة في مسيرة النضال الوحدوي ، ليؤكدوا بأن نضال الامس كان مزيفا مموها أو انه لم يكن موضوعيا، لانه لم يحمله اصحاب المصلحة الحقيقية فيه، فأكدوا بان الوحدة التى ينشدونها هي وحدة الشعب العربى لا لقاء الحكام العرب ، وهى وحدة الفقراء العرب لا وحدة الاغنياء العرب ، ووحدة الكادحين العرب لا وحدة البورجوازيين العرب ، وحدة غالبية العرب لا وحدة اقلية العرب ، وحدة القاعدة العربية لا وحدة القمم العربية ، وحدة المناضلين العرب لا تضامن الحكام العرب ...
حين من الدهر وشعارات النضال الوحدوي تنطلق من خلال القمم العربية، وما كان ثمة حصاد في الساحة العربية، وما كان لها اثر ايجابى في مجال القاعدة العربية، لانه بقي التمزق قائما، وبقي التخلف قائما، ولم يبق امام المناضلين العرب الا ان يشيروا الى الداء والدواء معا ؛ فالوحدة العربية ليست وحدة بورجوازية، وانما هي وحدة اشتراكية، والوحدة الاشتراكية تبدأ بوحدة المناضلين الوحدويين الاشتراكيين لتنتهي بهم ولهم ، اما الوحدة الدستورية التي تبدأ بمعزل عنهم فانها تنتهي بعيدا عنهم لتفقد مبرر وجودها .
ان النضال المشوش الذي تفرضه الظروف ما اعطى الامة العربية الا الفراغ ولو واكبته بطولات ؛ اما النضال المنظم فهو الذي يحقق الانتصار ويحميه، لانه يعرف ماذا يريد قبل المعركة وخلالها وبعدها، ولا نضال منظم الا من خلال الحزبية الصحيحة!...
الحزب مؤسسة جماهيرية نضالية منظمة، يلتقي اعضاؤها على فكر وخط سياسي اجتماعي واحد، لتغيير الحاضر وبناء المستقبل، والحزب في منطق النضال والعمل الجماهيري اكثر كفاءة وقدرة من الفرد، ولو أخذ الفرد صفة البطل، لان مادة الثورة هى الحزب، ولا ثورة من خلال الفرد وبالفرد، فالجماهير المنظمة مع الفرد الثائر تعطي وتبنى وتحقق ثورة، أما الثورة بالفرد الثائر فتموت بموته، وما اكثر الومضات الثورية التى قامت من خلال الفرد الثائر، ولم تؤمن بتنظيم الجماهير وقضت بموت الثائر!..
الصفة الغالبة في الحزبية ان ينتمي اعضاؤها الى قوة اجتماعية متقاربة، وبالمقابل لا يشترط في قيام الحزبية التقليدية ان يكون الحزب ممثلا لطبقة اجتماعية معينة، ولكنه يشترط ان يلتقى في مؤسساته كل المؤمنين بفكر الحزب وخطه وسياسته، والحزب حين يمثل قوة اجتماعية معينة :
1 - اما ان يمثل الخط التقدمي الذي يحتوي العمال والفلاحين، والمثقفين وصغار الكسبة ، وبعض الذين يثورون على طبقتهم ، ويلتزمون بالفكر المتطور الذي يحمله الحزب ، ويمارسون واجباتهم الحزبية كاملة .
2- أو يأخذ بالخط الرجعى الذي يتخذ من الحزبية سبيلا للحفاظ على مكاسب الذين يمثلونه ومواقعهم وطبقتهم ، بالتحزب لهم ، والعمل معهم ، لابقاء الاوضاع على ما هي عليه ، والصراع مع دعوات التقدم لانها تهدد وجودهم ، باعتبار التقدم الذي يحققه الشعب سلبا لامتيازاتهم وتهديدا لمواقعهم ...
والحزبية بعد كل هذا تتباين فيما بينها في الاهداف والاساليب والبنى الاجتماعية التي تمثلها، وتختلف صورتها، وتتباين دعوتها في الزمان والمكان، فهي تكثر في ظروف معينة وتقل في ظروف أخرى ، وتكون ثورية أو اصلاحية أو نصف ثورية وفق الظروف، فلكل مكان نوع معين من الاحزاب يأتي جوابا على الظروف ومعبرا عن مستوى المناضلين ...

الاحزاب القطرية:

والاحزاب اما قطرية تلتزم باقليم معين وشعب معين ، واما قومية تلتزم بالوطن الكبير ومتطلبات الامة.
فالحزبية القطرية في منطق النضال الثوري هروب من تحمل مسؤوليات الوطن الكبير، لانها تقف عند حدود المطالب المرحلية للقطر، لذلك يأخذ الانتهازيون حريتهم في تسييرها والعبث بها ، وغالبا يخضع حزبيوها لظروف الداخل واغراءات الخارج لانه لا ضوابط للذين يؤثرون المصلحة القطرية على المصلحة القومية .
وهذه الحزبية لا يمكن لها ان تأخذ صفة (الثورية) مهما ادعت الموضوعية في الدعوة والحرص على مصالح الشعب ، لانها تقتصر على جانب معين من الوطن الكبير، وتنصرف الى بعض متطلبات النضال وبعض حاجات الشعب ، عازفة عن المتطلبات الكبرى والحاجات الاساسية .
وهى ثلاثة أنواع :
1 - اما ان تكون حزبية محلية جاءت رغبة في اكتساح ساحة المحافظة نيابيا لكي يكون لها وزنها الاقتصادي والسياسي الذي تساوم عليه، وهذا النوع من الحزبية شهدته بلادنا، وهو أضعفها واقلها انتشارا، الا ان هذه الظاهرة غالبا تأخذ بدايات العمل القطري حيث تتسع بعد حين لتقوى وتتعزز قطريا، وحين تراوح في المحافظة تضعف وتتقلص ثم تنتهي .
2- اما ان تكون ردة فعل على اوضاع سياسية او اجتماعية في القطر، لذلك يمكن اعتبار هذه الحزبية ظاهرة انفعالية ، تخلق فكرها وتوجه سياستها وتحدد مواقفها من خلال علاقتها بالحكم، لذلك تتحجر أهدافها وتضيق نظرتها ويتقلص عطاؤها، وغالبا تقع هذه الاحزاب اسيرة المنحى الاصلاحي المرحلي .
3- وقد تكون هذه الحزبية ممثلة لقوة اجتماعية تضم الى صفوفها قوى الشعب العامل بحجة الدفاع عنه ، وهى غالبا حزبية قمية، تمثل البورجوازية المستغلة التي اعتادت العبث بالشعب... وبالمقابل يمكن التأكيد بأنه ليس من حزب ظهرعلى المسرح السياسي في بلادنا كانت قيادته من العمال والفلاحين فعلا دون وصاية من المثقفين البورجوازيين ، و لكننا شهدنا بعض العمال والفلاحين وصلوا الى مستوى القيادات في الاحزاب القطرية، ولكن هؤلاء لم يعودوا عمالا او فلاحين لأنهم تأثروا بالموقع الجديد ومنهم من خان الطبقة التى يمثلها...
ان اغلب الأحزاب الاقليمية في الوطن العربي لم تنس ان تدافع عن نفسها امام التاريخ وحسابه، وامام الجماهير وتطلعاتها ، حين كانت تضمن مناهجها المواد التي تشير الى ان شعبها جزء من الامة العربية، وإلى أن بلادها جزء من الوطن العربى ، وقد يصل الأمر ببعضها الى ان تعلن عن ايمانها بالوحدة العربية، مع ان كل معالجات مناهجها ومواثيقها وتعاليمها وطنية محلية .
ومن البداهة بمكان في منطق النضال والمناضلين ان الحزب الذي يكرس نضاله ضمن القطر وحاجاته، هو حزب اقليمي انفصالى ولو رفع شعارات القومية العربية والوحدة العربية.
ان هذه الاحزاب الاقليمية حين تكون انعزالية تصبح أشد خطرا على الامة وتاريخها، واشد فتكا بالنضال والمناضلين ، بل وأشد خطرا على مستقبل الامة العربية من الخصوم التقليديين لها ، ذلك لانها ترسخ التجزئة وتحمى دعاتها وتغرس فكرها وتقاليدها وتربط الجماعات بها، تحت شعار الوحدة العنوان المجرد الباهت ، والعمل الوحدوي الزائف، وتؤكد الفرقة والتباعد تحت شعار التقارب والتوحيد، وتحقق الارباك والتشويه تحت شعار الوضوح والتصحيح ... ان هذا النوع من الاحزاب اساء كثيرا الى مسيرة النضال الوحدوي ، فهو قد يتصدر ، النضال الوحدوي للعبث به وليبعث اليأس في نفوس اصحابه، حيث تأكد للجماهير العربية بان القيادة الحزبية الاقليمية التي تفصح عن اقليميتها الانعزالية بعدائها للوحدة والوحدويين تثير هذه الجماهير وتذكي عندهم الحرص على الوحدة ، أما القيادات الحزبية الاقليمية التي تدعي الوحدة وتعبث بها وبالوحدويين فهي أشد خطرا من الاقليمية الواضحة ذلك لانها تخدر الجماهير، وتعبث بعواطفهم ، لتتعثر مسيرة الوحدة وتكشف الطلائع للجماهير حقيقة هذه الحزبية ...
من خلال هذه الحزبيات الاقليمية تخلف نضال الوحدة وموّه شعارها ومضمونها ، وتولد الحذر والشك لدى الجماهير بقياداتهم ، واخذوا يفتشون عن المناضلين الصادقين الذين يلتزمون بمبادئهم ويحرصون عليها ؛ لذلك اصبحت الشعارات لا تعني الكثير لدى الجماهير الشعبية، وانما اصبحت الجماهير تربط المبادىء بالاشخاص وبنيتهم وتاريخهم وسمعتهم لتحكم على صدق اهدافهم .
والنضال القطري على كل حال ، على ما فيه من بطولات صادقة في خدمة المجتمع والانسان في أغلب الاحيان حين يخلو من المؤثرات الخارجية ، وعلى ما فيه من تطلع صادق في أغلب الاحيان لمستقبل الامة حين تؤول فعالية اموره لغير الطبقات المستغلة ( بالكسر) ، انه لا بد له من ان يخضع في كل آن ومع كل موقف لمتطلبات الزمان والمكان ، وهذا من عوامل شلله، وهدر طاقاته، وعجزه عن الارتفاع من الموقع الانعزالي الذي ارتضاه لنفسه .

الاحزاب القومية 

لقد قام وجود الاحزاب القومية على مبدأ ان الحزب القومي هو حزب الأمة العربية من المحيط الى الخليج ، وحين قامت هذه الاحزاب كانت تتصور ان الساحة خالية من الحزب القومي الكفء الذي يملأ هذا الفراغ ، ولم تكن تتصور ان حزبا سياسيا آخر في الوطن العربي يوازيها في الوعى القومي وامكانات النضال والعطاء في المجال القومى ، ان هذه الاحزاب كانت تفجع مع الزمن حين تجد امامها او الى جانبها أحزابا قومية أخرى تنافسها في المسيرة القومية !...
والعجيب في أمر هذه الاحزاب جميعا انها تساوت مع بعضها في قناعاتها بان الحزب الذي تمثله يعتبر نفسه متقدما على كل فكر حزبى آخر، وان تنظيمه الحزبي يفوق تنظيمات أي حزب في الوطن العربى أعداداً ووعيا وقوة ، ولعل هذه القناعات كانت النافذة لتبرير الصراع فيما بينها ، مع أن اول البدهيات لدى الحزب القومي ان يعتبر الوطن العربي ساحته، وان طاقات الامة العربية معه من أجل وحدة النضال العربى سبيلا الى الوحدة العربية حيث يدفعها الحرص على القضية القومية الواحدة أن تنصرف الى ايجاد عوامل التقارب فيما بينها ، لتتعاون وتتكامل لكي تصل الى الوحدة الحزبية !..
فالاحزاب القومية المنتشرة في ارجاء الوطن العربى التي تدعو الى الوحدة ، لا يمكن اعتبارها احزابا قومية لمجرد أنها وضعت في مواثيقها ومناهجها انها تؤمن بالوحدة وتعمل لها ، لأن بضاعة الكلام في العمل السياسي لا تعني شيئا في أيامنا هذه ، ذلك ان اغلب الساسة ألفوا في مبادئهم المطروحة ومناهجهم المعلنة وتصريحاتهم الاعلامية ما هو للتصدير وما هو للتنفيذ ، والعرب في كل مكان من الوطن العربي مولعون باستعمال الكلمات الكبيرة للمواقف الصغيرة ...
أنه حين يكون الاقليم هو مجال نشاط الحزب ، فالحقيقة تؤكد ان هذا الحزب اقليمي ولو بلع كل شعارات القومية العربية، ووزعها لافتات تعلق في كل مكان ، ومانشيتات تزين صحفه اليومية ونشراته الدورية.
يعرف الحزب القومى من خلال فكره الواضح قوميا وادانته الفكر الاقليمي الانعزالى، ومن خلال بنية قياداته وتاريخهم النضالي ، ومن خلال نظامه الداخلي ، ومن خلال استراتيجيته الواضحة، وكامل مواقفه ، ومحصلة نضاله .
والعجيب ايضا ان الفكر القومي الذي تبنته الاحزاب القومية في الوطن العربي لم يتطور مع الزمن، وانما بقي يحمل حرارة الميلاد، ليعطي لكل فقرة او كلمة صدرت عنه صفة القداسة ، وكأن البداية الفكرية له جاءت كاملة لا يجوز ان يطالها تعديل او تطوير، وكأنه محرم على المناضلين ان يشغلوا انفسهم في تطوير الفكر، وانما مهمتهم في تفسيره وتبريره.!.. 
وكما انه ليس لأي حزب قومي في الوطن العربى ان يملك حق الادعاء بأنه حزب الامة العربية، كذلك ليس لأية دولة عربية ان تدعى انها الامة العربية كاملة ، ولو ملكت قومية النزعة ، ووحدية الاتجاه والنضال ، والمواقف والعطاء... ولكننا نحتبر مثل هذه الدول وهذه الاحزاب املاً عربيا متميزا، وفصيلا نضاليا متقدما!.. ولكى يكون الحزب القومي حزب الامة العربية يجب :
1- ان تكون له نظريته القومية الا شتراكية التي يعالج بها مشاكل العرب كأمة واحدة ووطن واحد .
2- ان ينتشر في ربوع الوطن العربي باعتبارها وطنا واحدا.
3- ان يؤكد بعد حين من العمل الحزبي والمواقف النضالية انه الحزب القومي الاشتراكي الصامد والوحيد .
4- ان تكون حلوله جذرية، تنشد اقامة دولة العرب الاشتراكية الكبرى .

5- أن يتطور فكره ، وان تتطور اساليبه مع الزمن ، وان يكون مصدر اشعاع فكري لمناضلي الامة العربية، وقائدا فعليا للمعارك العربية في كل قطر عربى .

نعم للحركة العربية الواحدة ، ولا لتعدد الاحزاب القومية الاشتراكية :

اننا لا نخشى الاحزاب الاقليمية الاصلاحية، فهي حتما الى زوال واندثار، بدليل ان أغلب الحركات السياسية الاقليمية قضت واندثرت ، ولم يبق في سوح النضال العربى منها الا الحركات التي أملتها الظروف السياسية المصلحية والمرحلية، المدعومة خارجيا لكي تتصدى للتيار القومي الاشتراكي!..
اننا لا نخشى الاحزاب القومية التي لم تكن اشتراكية، بدليل ان كامل الاحزاب التي ادعت القومية زورا وبهتانا هوت وامحت، ولم يبق في سوح النضال العربي الا الحركات القومية الاشتراكية التقدمية.
فالحزبية الصحيحة التي اثبتت وجودها وتحدت عوامل الانحسار والفناء هى الاحزاب الثورية، ولا ثورية لحزب في الوطن العربى ان لم يكن قوميا اشتراكيا ، ولا تكون الحزبية قومية اشتراكية الا اذا قامت مناهجها وسياستها على تغليب المصلحة القومية على المصلحة القطرية، وحل العام عندها محل الخاص، وحلت العقلانية والعلم والمستقبلية محل الاوهام والجهل والمرحلية، وتقدمت القيمة النضالية فيها على المركز الاجتماعى، و ارتفعت درجة الوعي في الحركة السياسية الى مستوى تجاوزها لذاتها من أجل ذات افضل ، وقبولها التفاعل مع الغير من أجل عطاء أكبر، وتفاعلها مع كل فكر متقدم صحيح لكى تنمو باطراد . 
والحركة العربية الواحدة لا تعني قالبا جامدا للنضال العربي الاشتراكي ، وانما هي الموقف القومي الذي يلتقي عليه المناضلون العرب ، وهي ليست نظرة اكاديمية مجردة تفرض على النضال والمناضلين، وانما هي ثمرة تجارب النضال العربي واسمى تطلعات المناضلين، وهي بعد كل هذا تنطلق من الايمان بوحدة الامة العربية ووحدة الوطن العربي من المحيط الى الخليح ، والقناعة بأن منا ضلي الامة العربية الواحدة مطالبون بان يكونوا من خلال الفكر الواحد والتنظيم الواحد صفا واحدا وخطا واحدا، حيث ثبت للمناضلين العرب عبر مسيرة نضالهم الطويلة ان التناقض فيما بين قوى الامة الواحدة ، بدد ولا يزال يبدد طاقاتها في مجال الصراع والتنافس والاقتتال .
قد لاتأتي الحركة العربية الواحدة وفق تطلعات المناضلين وطموحاتهم وتصوراتهم فتتجه اليها سهام النقد من أجل تقويمها أو الغائها، وهذا لا يضر في شيء ولا ينتقص من اهميتها وقيمتها ، لان كل تجربة ثورية مطالبة بالتعديل والتطوير الى ان تكتمل ؛ اما تعدد القوى السياسية ذات الهدف الواحد والصراع فيما بينها خطأ كامل لا يمكن تلافيه الا بازالة التعدد الذي يقود حتما الى غرس الاحقاد في نفوس الطبقة الواحدة والشعب الواحد والامة الواحدة !.. لذلك يمكن القول ان دور الحركة العربية الواحدة في بناء الشعب ووضع طاقاته في مجالها الصحيح هو أضخم بكثير من دور القوى السياسية المتعددة مجتمعة!.. ومن اخطاء تعدد الحركات السياسية ذات الهدف الواحد ان تنحدر هذه الحركات الى مستوى تمثيل المصالح الفردية والطبقية والاقليمية بدل تمثيل القوة الاجتماعية الكادحة صاحبة المصلحة بالحركة الواحدة ، وفي هذا تمزيق للطبقة المنتجة صاحبة المصلحة بالوحدة ، وهو تكريس للتمزق والتجنح ..
والحقيقة ان العرب لم يعيشوا يوما من الايام ظاهرة وجود هذه الحركة التي بقيت أملا يراود افكارهم وتطلعاتهم، ولم تضع اية حركة سياسية في الوطن العربى تصورا واضحا لها وعبرت عن التزامها بهذا التصور، بل ان أغلب الحركات السياسية القومية بقيت حبيسة القطر الذي ولدت فيه، وقل ان تجد بينها الحركة التى تدعو الى النضال القومى في الاطار العام لا الخاص، والانصراف الى الامة كلها لا جانبا منها، والى الالتزام بالمستقبل لا الالتزام بالمرحلية ، الا ان الحقيقة في هذه الدعوات انها بقيت منحى واتجاها ورغبة، لم تأخذ النظرة الموضوعية العلمية ، ولم تقد هذه الدعوات أي حزب الى اعلان استعداده للتضحية بوجوده بله التضحية ببعض مكتسباته ومواقعه من اجل الموقف الكبير!!.
لقد دعونا مخلصين ونحن نخوض حوار قيام الجبهة الوطنية التقدمية في القطر العربي السوري عام 1971، ودعونا قبل ذلك بالعديد من السنين الى وحدة القوى القومية الاشتراكية التقدمية في القطر ( التنظيم السياسي الواحد ) لكي يكون منطلقنا الى ( الحركة العربية الواحدة ) قناعة منا بأن التنظيم السياسي الواحد في القطر ملزم بان يكون قوميا واشتراكيا ، ولا بد له من ان يفرض على القواعد الشعبية خوض معاركها القومية الاشتراكية تحت لواء ( الثورة العربية)، وكنا نؤكد دائما بان تعدد الاحزاب مهما كان اخلاصها وصدقها فانه سوف يفرض عليها صراع التناقض والتضاد الذي يقود حتما الى تمزيق الشعب الواحد وتفريغ طاقاته في معارك جانبية تبدد طاقات النضال والمناضلين . 
فالحركة العربية الواحدة ظاهرة صحة، ذلك لانها محصلة التجارب الحزبية والتنظيمية المنتشرة في الوطن العربي ، وهي محصلة الافكار التقدمية التي صدرت عن أغلب القوى السياسية التقدمية، ذلك لأنها الوجه النضالي الثوري الذي يرتفع الى مستوى أهداف الامة .
أما تعدد الاحزاب القومية الاشتراكية فهو ظاهرة مرضية ، ابتليت بها امتنا زمنا طويلا، وكانت في مقدمة العوامل التي أخرجت المناضلين من دائرة الاسهام في حركة التاريخ وقيادة دفته ، لا لانها تهدر طاقات الشعب في الصراع الحزبى المصلحي لا العقائدي وحسب ، وانما لانها تعكس آثارها على مسيرة الوطن والمواطن ، وتقودهما الى الانحدار بدل الصمود، والعقم بدل العطاء ، والتخلف بدل التقدم ، والسير في البلاد في طريق الانقسام الى ما يشبه المعسكرات المتصارعة، لانهم في كل يوم يمر يزيدون هوة التباعد والتناقض والانعزال ، والاصل أن يقوم التفاعل والتقارب والتكامل...
كم هو مزن ومفجع ان لا تلتقي هذه القوى مع بعضها الا تحت مطرقة الخطر الخارجي، بل ان بلادنا شهدت عدة مواقف كبيرة لم تدفع هذه القوى إلى اللقاء تأثرا من رواسب الصراع وذيوله ، مع اننا نطالب باللقاء والتعاون والتنسيق والتكامل والتفاعل والصهر في المواقف الايجابية البناءة لكي يكون اللقاء والتكامل في المواقف السلبية ضد الامبرياليه والصهيونية والرجعية من تحصيل الحاصل...
فاذا وجد من يتصدى للحركة العربية الواحدة من خلال ادعائه الحرص على الديمقراطية، معتبرا هذه الحركة جنوحا عن خطها وتناقضاً معها ؛ نجيب هؤلاء أن التعدد لم يكن في يوم من الايام حاميا للديمقراطية ومحققا لها ؛ بدليل اننا لم نتوقف يوما عن المطالبة بالديمقراطية تعبيرا عن افتقادها في ظل التعدد، وليس من الموضوعية في شيء اعتبارالديمقراطية موجودة في تعدد الحركات السياسية وغير موجودة في وحدتها ، بل ان الديمقراطية قد تتوفر بوحدة الحركات السياسية اكثر بكثير من توفرها في حالة تعددها، لان هذه الحركة سوف تصحح مسار التعدد وتمثل وجه الشعب أكثر من تمثيله في حالة تمزقه.
واذا قيل بان التعدد في هذه القوى يعدد التجارب ، ويفسح المجال للتنافس فيما بينها، وهذا سوف يقود عاجلا أو آجلا الى صمود الاقوى ، فاننا نجيب بأن طاقات الحركات السياسية هذه لن تهدر او تهمل، وانما سوف توضع في تجربة الحركة العربية الواحدة ، فالتنافس لا يقود دائما الى صمود الاقوى ، وانما يبدد الطاقات ، ويعيق المسيرة ، ويلهي المناضلين عن معاركهم الحقيقية، ويعبث بالجماهير ليشوه قناعاتهم ، وان آثار الصراع التي تترسخ في النفوس يصعب تبديدها، وشتان بين اقدام الشعب على تصحيح اخطائه وهو قوى متعددة متنافرة متصارعة، وبين اقدامه على تصحيح الخطأ وهو قوة واحدة !..
والتنافس الذي يصورونه وكأنه الديمقراطية، هو موقف هدام ، لأنه يباعد ولا يقارب ، يمزق ولا يوحد، يضعف ولا يقوي ، يشوش ولا يصحح، ذلك لان الصراع ينطلق من حجة الدفاع عن الواقع، الذي يقود حتما الى ابراز اخطاء الغير، والتشكيك بهم، والتهجم عليهم، حيث تدافع كل حركة عن مواقعها وسياساتها، وفي هذا ما فيه من الخطورة على وحدة النضال بعد تمزق وانقسام واقتتال المناضلين !.. وأخيراً :
النضال القومى صحيح في الحركة العربية الواحدة ومدان في ظاهرة التعدد .
والخطأ الذي يأتي من الحركة العربية الواحدة خير من الصواب الذي يأتي من التعدد .
والديمقراطية في الحركة العربية الواحدة اكثر ضمانا في مرحلة التعدد.
والوحدة في هذه الحركة ضمانة اساسية ولا وجود لها في مرحلة التعدد.
لهذا وللكثير سواه نقول : نعم للحركة العربية الواحدة ، ولا لتعدد الأحزاب القومية الاشتراكية...
فالحقيقة التي تفرض نفسها علينا في هذا المجال :
ليس من حركة سياسية في الوطن العربي يمكن لها أن تدعي بانها فعلا حزب الطبقة العاملة (حزب الثورة العربية) .
وليس من حركة سياسية في الوطن العربي الا والبورجوازية تتصدر قيادتها، أو أن لها نفوذا متميزا فيها .
وليس من حركة سياسية في الوطن العربى الا وأولت مهمات التحرر الوطني والظروف المحلية الطارئة أهمية فاقت مهمات التحرر القومى والظروف العربية وخطها الاستراتيجي في الوحدة الاشتراكية .
وليس من يجهل ان الصراع بين هذه الفصائل الثورية قائم رغم دعوتها اللفظية لهذه الحركه ، بل رغم قيام الجبهات الوطنية والتحالفات فيما بينها ، بل لقد شمل هذا الصراع احزاب الاتجاه المتقارب وحتى الواحد ، وكل هذا يدل على ان الاصل في الصراع ليس الخلاف على المبادىء، وإنما الخلاف على المواقع والمصالح .

حققنا تجارب وحدوية، ولم نحقق وحدة المناضلين :

حقق العرب في تاريخهم الحديث قيام تجارب وحدوية أو شبه وحدوية ، أخذ بعضها شكل اللقاء والتعاون وقيام المؤسسات : ( الجامعة العربية ) وحقق بعضها الوحدات التعاقدية (مصر والسودان)، ووصل بعضها إلى مرحلة الاتحاد وفتحت الابواب للوحدة : ( الوحدة الرائدة بين سورية ومصر ) وتلتها مواقف اتحادية عدة ( وحدة سورية ومصر واليمن) و ( وحدة سورية ومصر والعراق) و ( وحدة سورية ومصر وليبيا ) و ( وحدة سورية ومصر) و ( وحدة سورية والعراق) و ( وحدة سورية وليبيا ) ...
وحقيقة الحقائق ان كامل هذه التجارب لم تحقق أغراضها، وانما عبرت عن رغبة العرب بالوحدة، وحرصهم عليها، وتمسكهم بها، وأكدت ان هدف الوحدة هو قمة اهداف العرب، وانه لا كسب يرضي الجماهير العربية مثل الكسسب الوحدوي ، ولا قائد يدخل في ضميرهم ووجدانهم مثل القائد الوحدوي .
واذا كان للمناضلين العرب وجودهم الفاعل في دفع مسيرة هذه التجارب : فلم يكن لهؤلاء المناضلين وجودهم الفاعل في حمل اعبائها ومسؤولياتها وفي النتائج التي وصلت اليها، ذلك لانه كان في قمة هذه التجارب الحكام العرب وحدهم ، ولم يكن للمؤسسات الحزبية الا الأثر المحدود فيها حتى عد التصفيق لها والانحياز اليها هو كل ما كان يطلبه هؤلاء الحكام من الشعب الكادح صاحب المصلحة الحقيقية فيها... 
واذا قدم هؤلاء الحكام العرب بعض الاجراءات الدستورية والشكلية من اجل دفع عجلة الوحدة بايجاد الحكومات الدستورية الاتحادية والبرلمانات الاتحادية وبعض الاجراءات التي اقتضتها الظروف أنذاك في الميادين الاقتصادية والسياسية والثقافية، فقد تعثر استمرار هذه الاجراءات أو تطويرها، لأن اطراف الحوار لم تكن متكافئة في الحرص على الوحدة ، وانما كان البعض من هذه الاطراف يرى في الوحدة تاكتيكا سياسيا يخدر به الشعب ، ليسفر هذا البعض عن وجهه بعد حين فاذا هو مع الاقليمية الانعزالية، ليصل بعدها الى العمالة والخيانة!.
لقد أولت جميع هذه التجارب اهتمامها المطلق للجانب السياسي وحده ، ولم تنصرف جميعا الى بناء القاعدة النضالية لدولة الوحدة ، ومتى غاب الحارس الامين افسح المجال للص الجبان أن يأخذ حريته... اذ لا يعقل أن ينقلب الوحدوي خلال أيام الى عدو للوحدة ، ومن صديق الوحدويين إلى عدو لهم ، ومن مناضل الى خائن !.. وهذا ما ابتليت به أغلب التجارب الوحدوية حيث انقلب وحدويو الامس القريب الى انفصاليين يطاردون كل حر يناضل من اجل الوحدة ، ويكمّون كل فم يذكر هذا الشعار...
وطبيعي أن كل مجال لا تملؤه قوى الثورة العربية سوف تملؤه القوى المضادة ، لذلك وجدنا الاقليميين جاهزين في كل زمان ومكان ليملؤا فراغ الوحدة ، ووجدنا الرجعيين جاهزين ايضا لكي يكونوا بديل التقدمية، ولم يكتفوا بكل هذا بل أخذوا يدافعون عن الخيانة ، ويبررون العمالة، ويؤكدون الانقسام والتمزق ويحمون الاقليميين والعملاء..
وبناء الوحدة او الاتحاد مرهون ببناء انسانها أولا، لأن الانسان الوحدوي المناضل الملتزم هو ضمانة الوحدة !..
ولطالما رددنا في ادبياتنا قبل عشرين عاما ونيف بانه ( لا وحدة دون وحدويين ) والوحدويون الذين أشرنا اليهم ليسوا اولئك الذين ينحازون الى الوحدة حبا بها وايثارا لها ، وانما هم الذين التزموا بها من خلال الحزبية القومية الاشتراكية والعمل المنظم واليومي لها.
فاذا أمكن للحكام العرب ان يحققوا قيام بعض التجارب الوحدوية أو الاتحادية – نسبيا - ، فقد فشل المناضلون العرب حتى اليوم في قيام تجربة نضالية قومية...
واذا كانت التجارب الوحدوية هي الشكل في حياة الكيان السياسي للأمة، فوحدة المناضلين في دولة الوحدة هي مادتها، لانها هي التى تعطي للوحدة القوة والدعم والحياة . وهي التي تصونها من التردي والتعثر و الانحدار.
أن سر فشل هذه التجارب كامن في أننا اعتبرنا التجربة الوحدوية ظاهرة وفاق بعد خصام . ولقاء بعد فرقة ، وتفاهم بعد خلاف ، ولم نعتبرها مسؤولية مضاعفة ، اذ ليس من دراسة واحدة قدمت الى الجيل العربي تدرس هذه التجارب قبل قيامها او خلال وجودها أو بعدها لكي تؤكد هذه الدراسة ان الذي فشل ليس التجربة، وانما الذي فشل هم أناس لم يرتفعوا الى مستوى الانجاز الكبير، فالوحدة هى الصواب ، والحرص عليها هو حرص على الصواب .
ما اكثر التجارب الشعبية الوفاقية التي مورست داخل القطر الواحد لعلها تدفع الحكام في طريق الوحدة ، بل ما اكثر التجارب التي كان الشعب فيها دافعا للوحدة بين قطرين أو أكثر أملا بأن يسهم الشعب في وضع لبناته في صرح الوحدة ، وفشلت هذه التجارب الصادقة لأن مناضليها الحقيقيين لم يضعوا الاسس الصحيحة لها ليلزموا بها حكامهم ، ولان الحكام بالمقابل استلموا زمامها الى حيث يعززون مواقعهم ويضمنون مصالحهم ، وكانت النتيجة مأساة جديدة تضاف الى مآس الامة في الفجيعة بالتجربة لتنقلب الافراح الى اتراح ، والنشوة الى أسى ، ذلك لأن البدايات الصحيحة تقود حتما الى النتائج الصحيحة :
* لقد جربت امتنا عمليات الوفاق بين الحاكم والمحكوم ، والظالم والمظلوم ، وهي تعرف بجور الحاكم وظلمه وطغيانه، ولكنها علقت صراعها معه من خلال حرصها على الوطن ، وايثارها الصراع ضد الاجنبى على أي صراع آخر ، كما كان موقف شعبنا في سورية من حكامه خلال الانتداب الفرنسي وبعده ومن اجل القضية الفلسطينية ، فما جنت من هذه العمليات الا السراب على المستوى الداخلي والخارجي ، لان الحاكم استمر في غطرسته، والظالم استمر في بطشه، والاجنبي بالمقابل أوغل في العدوان والتحدي ، وخرجت امتنا من كل هذه التجارب لتقول بأن الطريق الصحيح ما كان في الوفاق وما كان باستسلام الشعب لحكامه القطريين بحجة الخطر الخارجي، ذلك لان كامل عمليات تفتيت المناضلين وتشويه النضال بل ان تعليق الديمقراطية وكبت الحريات وكم الافواه واعتقال المناضلين كانت جميعا تحت شعار التفرغ للخطر الخارجي !..
* وجربت امتنا عمليات الوفاق بين الدول العربية بما سمي بـ (التضامن العربي) بين الحكام العرب، فما حصدت من كل هذا الا استمرار الاستبداد والاستغلال ، والا عزل الشعب ، والمزيد من التمزق والتفتت وحتي الاقتتال ، وخرجت امتنا من هذه التجارب التي طال امدها لتقول بان التضامن جواب مرحلى للظروف الراهنة على حساب الجواب الاستراتيجي المستقبلي ...
* وجربت أمتنا ان تمنح صفة ( العروبة ) لكل الذين ينسبون اليها بالولادة و الاستيطان ، ولكل ادعيائها أنى كانت مواقعهم ، فما حصدت من كل هذا الا جلبة دون رجال : وعرسا دون ناس ، وعناوين دون موضوع ، وخرجت امتنا من هذه التجربة لتقول : أن العروبة التزام بقضيتها، ونضال من أجلها ، وعطاء لها .
* لقد جرب المناضلون العرب قرونا من الزمان مرحلة الاعتماد على البورجوازية العربية فما حققوا نصرا ، وانما اصبح وجودهم في حلبة التاريخ جانبيا هامشيا ، وما كان لهم من محصلة هذه المواقف الا الكلوحة والجهامة والتردي ، وليس نقيض الجهامة والكلوحة الا الاشراق والتألق ، وليس نقيض التردي الا النهوض والارتفاع والتقدم ، وليس نقيض تجارب البورجوازية العربية الا تجارب الشعب الكادح التي هي التألق والارتفاع والتقدم ...
* وترهلت التجارب العربية لكثرتها وكثرة ممارستها دون ان يقف المناضلون العرب امامها وقفة مراجعة ، لان الطريق الى الوعى هو وقفة المراجعة هذه ، ليعرف العرب اين هم من مسيرة التاريخ ، واين هو الخطأ في المسيرة ، ومن هم المخطئون ، ليبددوا الخطأ ويقصوا المخطئين، ويلمو شعثهم من خلال الوضوح والجدية ، ويتخذوا من دروس الماضي هادياً للمستقبل ، ويحطموا جدار الفشل لكي يصلوا الى الخط الذي لا يفشلون فيه ، الذي هو خط الشعب المناضل ( الحركة العربية الواحدة ) .
* لقد حققت هذه التجارب نجاحا جزئيا اعقبه الفشل ، فالاحزاب التي كانت هي الممثل الوحيد للجماهير الشعبية والناطقة باسمه ، حين هادنت الحكام والبورجوازيين هادنت باسم الشعب دون ان تحمل مسؤولياتها في المحاسبة على اسس الهدنة ونتائجها ، وهي حين حاربت الحكام والبورجوازيين كانت تحارب باسم الشعب الا انها توقفت عند انتصاراتها الجزئية الصغيرة تجترها دون ان تكمل المسيرة ....
نجد أنفسنا ملزمين بالوقوف امام التجارب الحزبية في بلادنا، لنحدد موقعها من شعار ( الحركة العربية الواحدة ) .

مع التجارب الحزبية :

ان الاحزاب التي شهدتها بلادنا نوعان لا ثالث لهما ، فهي أما اصلاحية واما ثورية، ويندرج تحت شعار الاصلاحية الاحزاب الاقليمية التي انحصر نشاطها في رقعة معينة من الوطن الكبير ؛ لقد قضت الحركات الاقليمية عبر مسيرة النضال العربي واحداثه المتلاحقة ، ولم يبق منها الا سطور باهتة في التاريخ، ولم يصمد منها الا الاحزاب التى اخضعت نفسها لعمليات المراجعة وطورت نفسها كالحزب السوري القومى الاجتماعى في لبنان وقلة ضئيلة من الاحزاب في المغرب العربي. ويندرج تحت لائحة الاحزاب الاقليمية كل الحركات السياسية التي ناهضت التيار القومي أو التيار الاشتراكى أو كلاهما معا ، وهذه لم تعمر طويلا أمام مسيرة النضال العربي واحداثه الكبرى التى عرتها، لان الاتجاه القومي هو منطق العرب ومنطق نضالهم ، ولان التيار الاشتراكى هو لغة الجماهير الاولى ، ولا موقف قومى الا من خلال الاشتراكية وجماهيرها، فاذا بقي الاخوان المسلمون حتى اليوم وهم مناهضون للقومية والاشتراكية معا، فما ذلك ألا لأنهم انحدروا عن خطهم الاول الذي كان الدين الاسلامى المشرق وجهه، والفكر المتقدم وسيلته، ليصبح القتل والاغتيال شرعة لهم ، وليكون الشعب الكادح ضحية لهم ، وفي هذا ما فيه من الجنوح عن خط الدين ورسالته السامية .
ويندرج تحت لواء الاحزاب الاقليمية ايضا الاحزاب التي كانت تأخذ بالقومية وتهمل الاشتراكية، ومن ابرزها (حركة القوميين العرب) الذين أمضوا زمنا في الدعوة العاطفية الحماسية الى القومية حتى اصبحوا من أبرز غلاتها : واضطروا أخيرا الى تطوير انفسهم بعد حين في المجال الاجتماعي، فاذا هم من غلاة الاشتراكية، ولم تعد القومية هي الاصل في دعوتهم ، ليصبحوا فصائل متعددة ليس ثمة فصيل منها يحمل اسم ( القوميين العرب ) .
ولو شئنا أن نحصي الحركات الاقليمية التى وجدت في كل قطرعربى سواء ما كان منها ردة فعل على مساوىء الحكام، أو ما كان منها من صنع الحكام انفسهم، لضاق بنا المقام ، لذلك آثرنا تجاهل كل الحركات التي قضت، وكل الحركات التي بقيت تحبو ولم تستطع الوقوف على قدميها، ورأينا ان نقف عند القوى التي بقيت منها : 
* لقد كان ( الحزب السوري القومي الاجتماعي ) من اقدم هذه الحركات السياسية في المشرق العربي ذلك انه ولد في مطلع الثلاثينات، وتميز هذا الحزب على الدعوات الاقليمية التي كانت تزخر في بلاد نا في انه وسع رقعة الاقليم ، واعتمد على الفكر والموضوعية والتاريخ، وحين كان الفكر الاقليمي مريضا عاجزا ، وكان الفكر القومى غائما غائبا ، كان هذا الحزب يجمع بين ظهرانيه مجموعة من المفكرين الذين أسهموا جميعا في التبشير بالدعوة ، وكان لهذا الحزب طقوسه وشعاراته واجراءاته التي عرف بها، وكان زعيم الحزب ( انطون سعادة ) أكثر وعيا وحماساً وامكانات من كل قادة القوى الاقليمية التي عاصرته ، والتف حوله الشباب القلق ، ورأى فيه ضالته، ولكنه لم يجب بموضوعية وشمول على التطلع القومى العربى ، ولا على التطلع الاشتراكي، وانما تحرش بهما ، واجاب اجابات جزئية عليهما، هذه الاجابات التي لم تقنع الجيل الجديد الذي رأى في القومية العربية طريقه وفي الاشتراكية وجهه، مما عرض الدعوة واصحابها للتعثر لا سيما بعد ان غدر حسني الزعيم بقائد الحزب عام 1949 ؛ الا ان هذا الحزب تطور بعد زعيمه بشكل ملحوظ ، ليسد الكثير من نواقص الماضي، ويتجه في المسار القومي الاشتراكى ، الذي كان سر استمراره حتى اليوم ، لنجد اعضاءه يحملون مسؤولياتهم النضالية بجدارة في الدفاع عن عروبة لبنان وفلسطين .
* وكانت (الفرعونية) موجودة في أغلب الحركات ا لسياسية المصرية ، وهى لم تقم على العلم، وانما كانت قائمة تحت مظلة الانتداب البريطاني الذي كان حاميا لها ولدعاتها ، لانه كان يرى فيها الطريق الى اقصاء مصر عن ركب العروبة ، فقضية عزل مصر عن الاسرة العربية مؤامرة قديمة تضافرت فيها جهود قوى الداخل والخارج لان هذه العزلة تفصل المغرب العربي عن المشرق العربي وتعزل اكبر الاقطار العربية عن مكانه الطبيعي في الاسرة العربية، واذا توهم حكام مصر العملاء اليوم انهم حققوا هذا العزل فهم يعرفون جيدا ان الذي عزل هو الحكام وحدهم، فالشعب العربى في مصر وبلاد العرب يعيش المشاعر الواحدة ، والتطلعات الواحدة ، وان ما يمر بكنانة العرب ان هو الا سحابة صيف...
لقد شوهت دعوة الفرعونية الفكر العربي في مصر زمنا طال أمده ، وليس في كل تاريخ مصر من استطاع ان يملأ هذه الدعوة بالفكر المدعوم بالنظرية لذلك بقيت الدعوة عبثا طارئا سرعان ما هوى بأول لمسة من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لتبرز هوية الشعب الحقيقية انها ( العروبة ) .
* وظهرت حركات سياسية أخرى دعت الى القومية بدون الاشتراكية ، وكان في مقدمة هذه الدعوات كما أسلفنا : (حركة القوميين العرب) التي بدأ اصحابها فكرا قوميا متميزا بحماسه واندفاعه، لقد تأثروا في خطواتهم الاولى بالدكتور قسطنطين زريق وساطع الحصري ، دخلوا معارك النضال والمسؤولية في ميادين متعددة ، وأسهموا في السياسة السورية حينا من الزمن، وكان لديهم طموح ( الحركة العربية الواحدة ) بدليل وجودهم في العديد من أقطار المشرق العربى، وبدؤا نشاطهم باصدار صحيفتي ( الثأر) و (الرأي) ، وحاولوا دخول البعث العربى فرفض طلبهم كمجموع وطلب منهم ان يقدموا طلباتهم فرادى ، وكانت نقطة الضعف فيهم انهم كانوا يهملون شعار (الاشتراكية) ولم يتجهوا الى جماهير القومية وانما توقف نضالهم عند المثقفين ، وانهم اتخذوا العنف سبيلا للتعبير عن قناعاتهم .
الا انهم أخيرا طوروا اساليبهم في النضال فالتحقوا بالتيار الناصري في الستينات ثم انعزلوا عنه، ثم انقسموا الى فصائل اشتراكية جديدة من خلال الالتزام المصيري بالقضية الفلسطينية (قضية العرب الاولى) ، وجلهم يتخذ اليوم الاشتراكية العلمية موجها لنضاله ، ولهم دراسات فكرية متميزة في هذا المجال ، صدرت لهم صحيفة ( الوحدة ) في بغداد ، و ( الحرية) و ( الهدف) في بيروت ، و (الطليعة) في الكويت .
* و (جماعة الاخوان المسلمين) من أقدم الحركات السياسية الدينية في بلاد العرب .
بدؤا نشاطهم في سورية في الثلاثينات تحت اسم ( دار الارقم ) و ( شباب محمد) وبدؤا نشاطهم في مصر من خلال مرشدهم العام ( حسن البنا )...
كانت بدايتهم فكرا دينيا متميزا، حركوا العواطف الدينية من خلال المنابر والمساجد والندوات والمعارك ، وجمعت جماعة الاخوان المسلمين من الاعضاء في مصر في زمن قصير ما لم تجمعه كل الاحزاب السياسية في مصر مجتمعة، وما لم تجمعه اية حركة سياسية في الوطن العربى ، الا ان جميع المنتسبين اليها كانوا يتصورون انها جماعة دينية لا حزبا سياسيا.
كان لديهم في مصر جهابذة في الفكر الديني، ولكن هذا الفكر لم يوضع موضعه الصحيح، وقضى مفكروهم قتلا بسبب العنف السياسي الذي انتهجوه، لان الرد على العنف لا يكون الا عنفا أشد .. ولو انصرفوا الى الفكر الديني الذي بدؤا به ابان دعوتهم لكان من الممكن إن تكون قدمهم اكثر رسوخا في مصر ، ولكان من الطبيعي أيضا أن يتطوروا مع الزمن ليعطوا للفكر القومى أهميته واولويته، لانه لا تناقض بين الدين والقومية ، الا انهم تجمدوا امام افكارهم التي بدؤا بها، وانصرفوا الى التكتيك السياسي الذي افسح المجال لسهام النقد ان تنالهم من كل جانب ، فتعاونوا مع الملكية زمنا، وكانوا مع البورجوازيين في أغلب مواقفهم ، وتنسب لهم قصص عن مساعدات الغرب لهم وتبريرهم لها بانها زكاة الذميين .
لقد كانت القومية هى العقبة الاولى التي حالت بينهم وبين كسب الجماهير الحقيقية، لان دعوة العالمية التي عرفوا بها ولدت الضمور لجذورهم في الارض العربية ، لا سيما ما صدر عنهم من كتابات و خطب وتصريحات في التهجم على القومية والنيل من العروبة ، وتفضيل المسلم غير العربي على العربي المواطن غير المسلم واطلاق نعوت التكفير والالحاد على الناس... وكانوا لا يتورعون عن التهجم على الاشتراكية ايضا و لسنا ننسى التهجم والنقد الذي لقيه كتاب الشيخ مصطفى السباعي ( اشتراكية الاسلام ) .
والاخوان المسلمون بعد كل هذا حركة سياسية ثبت انها بعيدة عن الدين، لانها انحدرت الى الطائفية، والتمسك بالدين رفض للطائفية ، لان الدين يقرب ولا يباعد، يوحد ولا يمزق ، بل ان الدين ظاهرة قومية ، افصح عن روح العرب وطموح العرب ورسالة العرب في التاريخ ...
ان هذه الحركة السياسية لم تتطور مع الزمن، وانما كانت بداياتها خيرا من نهايتها التي وصلت اليها، منذا الذي يتصور ان تقوم حركة دينية في بلاده لا يصدر عنها ما يشعر بخصومتها للامبريالية والصهيونية وفي مرحلة تصفية القضية الفلسطينية والهجمة المسعورة من الامبريالية والصهيونية على بلادنا!!. بل منذا الذي يتصور ان توجه الحركة الدينية حملاتها على التيار القومي الاشتراكى وهو التيار الوحيد الذي يتصدى للصهيونية والامبريالية!.. منذا الذي يتصور ان لا يتناقض الأخوان المسلمون في مصر مع السادات في استسلامه لاسرائيل وامريكا، وان يسيروا مع حسني مبارك من بعده في نهجه خطى سلفه!.. منذا الذي يتصور ان يتصدى الاخوان المسلمون للنظام السوري وهو النظام الوحيد الذي يتصدى لاسرائيل والامبريالية ويعد نفسه لمعركة التحرير في انقاذ القدس الشريف ثانى الحرمين!.. والمسلمون عبر التاريخ كما نعلم تخلوا عن تناقضاتهم الداخلية ليتفرغوا للتصدي للاجنبي.. وكانوا في مجمل رسالتهم السامية يمثلون العزة القومية والاباء العربي ، وكانوا يرون في الاغتيال جبنا وخسة لا مروءة فيه!..

***
والاحزاب الثورية في الوطن العربي ، قطباها : 1 – الاممية ، 2- والقومية الاشتراكية ، ويمثل الاممية في بلادنا الحزب الشيوعي ، ويمثل القومية الاشتراكية : 1- حزب البعث العربي الاشتراكى 2- وا لناصرية .
* لو بدأت الحركة الشيوعية في بلاد العرب على أساس قومي، لكانت هي القوة السياسية الاولى في الوطن العربي، لما ملكته من وضوح رؤيا سياسية، ونضج متميز في الوعي الاشتراكي ، وفي اسلوب العمل الحزبى . 
فالاحزاب الشيوعية من اقدم الاحزاب السياسية في الوطن العربي، خاضت معارك لا حصر لها في مجابهة الاستغلال الداخلي والتآمر الخارجى ، واستقطبت اعضاءها من الجماهير الكادحة والمثقفين. وكانت في بداياتها تتعارض مع تقاليد المجتمع وقناعاته، أو هكذا ظهرت أمام الطلائع العربية يومذاك، لا سيما وان الفكر القومى في بلادنا كان مطعما بالفكر الغربى الذي كان يعتبر من اوليات مبادئه التصدي للاممية ومحاربة الاحزاب الشيوعية، لأن البورجوازية العربية هى التي كانت تقوده وتضع الحواجز بينه وبين الفكر الاشتراكي الماركسي، لذلك ألقي في روع أغلب هذه الأحزاب القومية ان الاشتراكية هي الشيوعية، وان الشيوعية كانت تتهم بالتحلل من القيم والاخلاق والقومية والدين، وقامت بينها وبين الحركات القومية معارك مفتعلة لم تكن في صالح الحركة الشيوعية ولا صالح الحركة القومية، وانما كانت في صالح البورجوازية الحاكمة العميلة.
ان بدايات الحركة الشيوعية في بلادنا تعثرت للاسباب التالية :
1- انها أغفلت دور القومية العربية في حركة التاريخ العربي، واعتبرتها ظاهرة بوراجوازية، وكانت تعتبر الحكام العرب ممثلين لهده القومية كما كانوا يدعون .
2- وضعت برامجها ودراساتها، وقامت سياستها في بلادنا على أساس المجتمع الصناعي تماما كما جاءت الماركسية ردا على المجتمع الصناعي في المانيا عام 1848 ، ومجتمعنا العربي لما يصل بعد الى مستوى المجتمع الصناعي ذاك .
3- تكلمت وحاضرت ونشرت بمنطق البروليتاريا الصناعية، وليس في كل بلاد العرب رأسمال صناعى .
الا انها اخيرا تطورت تطورا سريعا، لم يدع للقوميين العرب ميزات عليها، كما ان القوميين العرب بالمقابل تطوروا واعتبروا الماركسمية اللينينية معينا رئيسيا لفكرهم وموجها لنضالهم لم يدع للشيوعيين ميزات عليهم ، مؤكدين ان الماركسية- اللينينية ثورة كبرى اثبتت وجودها في التاريخ، وهي لم تعد وقفا على الشيوعية في العالم ، ولا على الاتحاد السوفياتى الذي يتبناها، وانما هى للانسانية جمعاء ؛ وهى ليست بعد كل هذا الجانب الاقتصادي وحده، وانما هي كل جوانب الحياة ، وحين نقرأ البيان الشيوعى الصادر في بلادنا لا نجد انفسنا غرباء عنه، لانه غدا يعبر عن خلجات وتطلعات المناضلين العرب فى كل مكان . 
لقد عالج الشيوعيون في بلادنا مشاكل المجتمع العربى الاجتماعية والسياسية والقومية بموضوعية، وأغنوا المكتبة العربية بدراساتهم، الا أن الشيوعية المحلية لا يمكن ان تكون ( الحركة العربية الواحدة ) لأنها ان حصرت نشاطها في البلاد، فهى مرتبطة تنظيميا بالشيوعية الدولية، وهى لا تدعي لنفسها هذه الصفة و لاتنافس سواها فيها .

الحركة العربية الواحدة في الاحزاب القومية الاشتراكية :

لقد اسهم في الاشارة الى هذه الحركة كثير من المفكرين العرب، والفت حولها بعض الكتب، وهي على قلتها لا تتجاوز الاشارة الى اهميتها وضرورتها، وليس ثمة كاتب واحد اشار الى الطريق اليها، او أعلن عن منهاجه من اجلها .
وبالمقابل ليس في الوطن العربى حركة سياسية واحدة سارت خطوة في طريق هذه الحركة، رغم لقاء العديد من قياداتها الحزبية في العديد من المناسبات القومية، ورغم قيام جبهات مرحلية بين هذه الاحزاب . 
ان كامل الطروحات حول هذه الحركة جاء من المفكرين وحدهم ، ولم يأت من المناضلين الملتزمين باحزابهم ، وهذه الحركة دون كل الحركات السياسية، لانها لا تقوم الا من خلال المناضلين وحدهم، فالمفكرون يعبرون عن الحاجة اليها، وليس لديهم ما يعطونه لها، لذلك لا تأخذ هذه الحركة مضمونها الا حين يكون لها رصيد على أرض الواقع، أي أن تصدر الدعوة اليها والعمل لها مسؤولية كاملة، من خلال المناضلين القادرين، والمستعدين للعطاء لها.
لقد جاءت فكرة الحركة العربية الواحدة جوابا على التقهقر الذي مني به النضال العربي في التاريخ، وجوابا على الظروف الصعبة التي يمر بها العرب اليوم ، وجاءت أيضا حين تعددت القوى القومية الاشتراكية ورأى المناضلون مساوىء التعدد لها ومساوىء الصراع فيما بينها ، وجاءت هذه الدعوة أيضا حرصا من المناضلين على سلامة النضال من اجل قضية العرب في التاريخ، واذا لم يرد نص محدد وملزم من قبل الحركات السياسية القومية الاشتراكية في الوطن العربى على الحركة العربية الواحدة ، فقد حمل القرن العشرون منذ مطلع عام 1940حتى اليوم الاشارة الى هذا النص أو ما يمكن تفسيره من مواد الدساتير والمناهج والمواثيق لهذه الحركات، وأصبح الرائج في المنطق القومي الثوري أن الحركة السياسية القومية الاشتراكية التي لا تدعو الى هذه الحركة أو تعارض قيامها تفقد صفتها القومية، لانه لا يعقل ان يكون هدف الحزب قومياً وان لا يكون الطريق اليه قوميا أيضا، والحقيقة التي لا بد من الاشارة اليها هي ان كامل النضال العربى في التاريخ الحديث لم يتطور مع الزمن التطور المطلوب منه، رغم المحن المتلاحقة التي ألمت بالأمة العربية، فالمناضلون العرب مثلاً تكلموا ولا يزالون يتكلمون عن وحدة القوى العربية التقدمية، وناقشوا ولا يزالون يناقشون هذا الشعار من مرحلة اللقاء والحوار حتى الوحدة فيما بينها، ولكننا ما رأيناهم يسيرون خطوة واحدة في هذا المضمار، ولم تنبر حركة سياسية واحدة لحمل مسؤوليات هذه الدعوة على مستوى الوطن العربى اللهم إلا حين دعوا الى قيام الجامعة الشعبية عام 1946، بل ان قادة الاحزاب القومية الاشتراكية كانوا يتصورون ان احزابهم هدف بذاتها، وان الحرص على الحزب هو حرص على الامة العربية، وان الاحترام لقادة الاحزاب هو احترام للقضية القومية أيضا، ولم يكن يتصور هؤلاء القادة أن احزابهم وسيلة الى أهداف الامة العربية، وان الحزبية مهما كان شأنها ليست الوسيلة الوحيدة لقضية الامة وانما هى احدى وسائلها الاساسية والرئيسية. وكما ان الحزب الذي يعيش عقلية البورجوازية وممارساتها لا يمكن له ان يكون اشتراكيا، كذلك لا يمكن للحزب القومي الذي يعيش ضمن القطر ولحاجاته وحدها ان يكون قوميا.
والمحزن المفجع ان اغلب القوى السياسية هذه عزفت عن ساحة نضالها الحقيقي لتتبارى في ابراز سلبيات سواها من القوى السياسية الشقيقة لتغرسها في نفوس أعضائها ، وكأن هذا من الزاد الفكري لها، لكي تؤكد مدى تفوقها على القوى السياسية الاخرى وعلى استحالة الوحدة معها، بل واستحالة قيام الوحدة العربية بدون الحزب الذي تمثله، وهكذا وجدت مسافات بعيدة بين هذه القوى لانها افتقرت جميعا الى الثقة ببعضها منطلقا للحوار...
ونقف الآن أمام أهم الحركات السياسية القومية الاشتراكية التي عالجت هذا الموضوع وكانت مؤهلة لتحقيقه :

حزب البعث العربي الاشتراكي :

لقد كان وجود هذا الحزب في مطلع الاربعينات حدثا قوميا متميزا وفريدا في الوطن العربي ، ذلك لانه :
بدأ قوميا حين ضم المؤتمر التأسيسي للحزب في 3 نيسان 1947 عناصر تمثل العديد من الاقطار العربية.
* وكان منذ اعلان دستوره - هذا الدستور الذي كان للامة العربية من المحيط الى الخليج - يتحرك اعضاؤها للتبشير به في كافة ارجاء الوطن العربي ، ولم يكن وجود مركزه الرئيسي في دمشق ليعني اكثر من نقطة انطلاق ، واعتبر الحزب نفسه هذه الحركة العربية الواحدة، لانه لم يكن له منافس على المستوى القومي ، واستقطب المناضلين العرب في الوطن العربي، وكانت له فروعه وشعبه في أغلب اقطاره .
* و درجت ادبيات الحزب على اعتبار الوطن العربي هو ميدان نضاله ، وعلى اعتبار وحدة النضال العربي هي الطريق إلى الوحدة العربية ، وعلى اعتبار المناضلين العرب في الوطن العربي هم أداة الثورة العربية ، وعلى انه ( لايجوز أن تعالج السياسة القطرية إلا من وجهة نظر المصلحة العربية العليا ) . 
* وهذا الحزب بحق أول حزب عربي ربط القضية القومية بالاشتراكية، والنضال القومي بالنضال الاشتراكي ، وكان إلى حد بعيد – واضحاً في فكره ومواقفه ونضاله وتطلعاته . 
* ومرت حقبة من الزمن كان فيها هو الحزب القومي الاشتراكي الوحيد في الوطن العربي ، لذا كان يتصور هذا الحزب أنه لا حركة عربية واحدة إلا من خلاله ، إلى أن جاء التيار الناصري ودخل ساحة النضال القومي الاشتراكي في مطلع الستينات ، وكانت مواقفه وانجازاته أكبر من فكره ، وتعلقت الجماهير بقائد التيار أكثر من تعلقها بتفاصيل قضيته . 
* من حق الحركة السياسية القومية الاشتراكية ان تعطي لنفسها صفة ( الحركة العربية الواحدة ) حين لا تجد منافسا لها في الساح ، أما حين تستمر هذه الحركة اربعين عاما في الساحة العربية دون ان تلم شعث القوى القومية الاشتراكية ، فهذا يحجب عنها هذا الحق .
* ان فكرة الحزب القائد التي طرحها الحزب في الستينات لم تكن تعني مطلقا أن يكون هذا الحزب قائدا للقوى السياسية القومية ، وإنما كانت تعني ان الحزب قائد الدولة والمجتمع في القطر العربي السوري ، لأن القيادة النضالية على المستوى القومي تأتي اختياراً وقناعة من القوى السياسية القومية نفسها . 
* لقد طرح حزب البعث العربى الاشتراكي صيغة الحركة العربية الواحدة أربع مرات بشكل واضح ومحدد وصريح .
1- مرة في مقررات المؤتمر القومي السادس المنعقد في 27 /10/ 1963 :
(... وانطلاقا من الايمان بوحدة الوطن العربي ، فقد أكد المؤتمر من جديد ضرورة اقامة الجبهة العربية التقدمية على مستوى الوطن العربي ، باعتبار أن مثل هذه الجبهة في الظروف الراهنة هي تجسيد لوحدة النضال العربي ، كما ان هذه الجبهة تمهد لخلق التنظيم الثوري الموحد المتجانس على مستوى الوطن العربي ، ولأن مثل هذا التنظيم سيكون أداة توحيد وصهر لجميع أقطار الوطن العربي ) . 
2- وجاء في مقررات المؤتمر القومي التاسع للحزب المنعقد في النصف الثاني من ايلول عام 1966 ما يلي :
( يرى المؤتمر القومي التاسع أن لقاء القوى التقدمية ضرورة لا بد منها ، لانتصار قضية الثورة العربية ، وان هذا اللقاء اصبح امرا محتوماً تقتضيه ظروف المعركة مع الرجعية والاستعمار، كما يرى المؤتمر ان لقاء هذه القوى يجب ان يتم على جميع المستويات ، ومن خلال خوض معركة التحرير الشعبية لتحرير فلسطين وغيرها من المعارك القومية والتحررية التى تدور على أرض الوطن العربي).
3- وجاء في البيان المشترك بين حزب البعث العربي الاشتراكي في الجمهورية العربية السورية وجبهة التحرير في الجمهورية الجزائرية عام 1966 ما يلي :
( أن هناك خلافات في وجهات النظر بين الحركات التقدمية والثورية في العالم العربي حول النضال القومي الاشتراكي ، الا أن هذا الخلاف ليس عدائيا، ولا يعتبر متناقضا اساسيا، واللقاء والتفاعل بين القوى التقدمية العربية يجب ان يؤدي في النتيجة الى صهر هذه القوى وتوحيد منطلقاتها النظرية، على ان يتم ذلك على اساس ديمقراطى ، دون فرض استراتيجية مسبقة تصدر عن أي حركة من هذه الحركات ، وأن فرض مثل هذه الاستراتيجية يعتبر نوعا من الوصاية يؤدى الى نسف امكانية لقاء القوى التقدمية) .
4 - وحين قامت الجبهة الوطنية التقدميه في 7 آذار 1972 بعد الحركة التصحيحية ، نص ميثاق الجبهة : 
( أن وحدة القوى الوطنية التقدمية العربية هدف استراتيجي يرتكز على التحليل العلمى لتطور المجتمع العربي، وتفرضه الظروف الموضوعية للنضال العربي، لذلك فان الجبهة اذ تؤمن بهذا الهدف ترى ضرورة العمل على تحقيق امتن أنواع التعاون والارتباط بين هذه القوى ، بغية قيام جبهة قومية تقدمية تكون السبيل الى اقامة الحركة العربية الواحدة ) .
وجاء في المادة الثامنة من سياسة الجبهة على مستوى القطر: 
( العمل الدائب من اجل الوصول بالحوار الايجابي والتفاعل الجماهيري الحي داخل إطار الجبهة الى التنظيم السياسي الواحد ) أي ان الطريق الى الحركة العربية الواحدة يمر بالمرحلتين التاليتين:
آ- وحدة القوى التقدمية في القطر من خلال التفاعل الجماهيري الحي، والحوار الايجابي لقيام التنظيم السياسي الواحد.
ب- تمتين الروابط بين القوى التقدمية العربية من خلال التعاون والارتباط فيما بينها وصولا الى جبهة قومية تقدمية تكون المنطلق للحركة العربية الواحدة .


وهذا أول تصور محدد للحركة العربية الواحدة يصدر عن حزب قومي اشتراكى مسؤول وفي يده السلطة، تدعمه أربعة احزاب سياسية في القطر.
والحزب في موقفه هذا ينسجم مع خطه الجديد ( خط الحركة التصحيحية) التي بدأت انفتاحا على الجماهير، وغفرانا لاخطاء الماضي، وطيا لصفحاته، وانسجاما مع الخط الذي اعلنه السيد الرئيس حافظ الأسد في خطابه لجماهير مدينة حمص في مطلع الستينات، مع التأكيد بان الوضوح الذي اخذته الحركة التصحيحية سواء بالنسبة للحركة العربية الواحدة او سواها من القضايا الاساسية لم يملكه الحزب من قبل خلال مسيرته الطويلة، ذلك ان هذا الحزب هو أول من اقام الجبهة الوطنية التقدمية في اية بقعة عربية ، لتعيش هذه الجبهة احدى عشر عاما، وهي لا تزال - في صمود وصعود .

التيار الناصري :

اذا كانت حركة البعث العربي الاشتراكي فكرا واضحا وخطا واضحا - الى حد بعيد- ربط وجوده بالقضية والخط السياسي لها، فالتيار الناصري ربط بالفرد القائد ونسب اليه، ومن خلال هذا القائد تعرف المناضلون على القضية.
لقد كان التيار الناصري متأثرا بالبعث فكرا ومواقف، لان حزب البعث العربي الاشتراكي كان المدرسة الفكرية والنضالية للقوى السياسية القومية الاشتراكية التي جاءت بعده ، بدليل انه لم يتجاوز أي حزب من هذه الاحزاب شعارات ( الوحدة والحرية والاشتراكية) . الا ان الناصرية لم تتأثر بالبعث في اسلوب النضال ، فقد حاربت الناصرية الحزبية زمنا واستقطبت الجماهير العربية ككل دون اصطفاء، ودون اهتمام بالبنية الاجتماعية لهم، ولم تنتبه الى البنية الاجتمماعية الا بعد زمن ليس بالقصير... والناصرية بعد كل هذا لما تتبلور بعد فكرا قوميا اشتراكيا واضحا ، بل لم تشعر الناصرية بضرورة الفكر وضرورة العمل الحزبي الا في مطلع الستينات مع الميثاق الوطني 21 ايار 1962 .
وفي 23 تموز دعا الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الى الحركة العربية الواحدة بالاسم واعلن ايمانه بها، واستعداده لها، ودعا القوى القومية الاشتراكية الى مواجهته وتحويله الى واقع ثوري حي، وكان في كامل مسيرته منفتحا على القوى السياسية القومية للعمل معها وبها من أجل اهدافه القومية، ولقد أشار مرات الى ان وحدة المناضلين هى الطريق الى الوحدة .
لقد جاء في خطابه في المؤتمر الشعبي في القاهرة بمناسبة العيد الحادي عشر للثورة : ( لكي تتم الوحدة ، وحتى يمكن ان نتغلب على العوامل اللاأخلاقية والانتهازية ، لابد من البدء في إقامة العمل العربي الموحد الذي يجمع جميع الحركات القومية في جميع أنحاء الأمة العربية ... ) إلى أن يقول:
(... لا بد لتحقيق الوحدة العربية من قيام الحركة العربية القومية الواحدة التي تجمع كل من يؤمن بالوحدة العربية وبالقومية العربية هذا أيما الاخوة يحتاج إلى عمل جبار، ويحتاج الى نضال ، وهذا النضال هو مسؤوليتكم أنتم ، مسؤولية الجماهير العربية ومسؤولية الشعوب العربية ، ومسؤولية الاجيال العربية ... ) 
بل أن ميثاق الجمهورية العربية المتحدة نص على ما يلي :
( الجمهورية العربية المتحدة مطالبة بأن تفتح مجال التعاون بين جميع الحركات الوطنية التقدمية في العالم العربي ، انها مطالبة بأن تتفاعل معها فكرياً من أجل التجربة الاشتراكية ، لكنها في نفس الوقت لا تستطيع أن تفرض عليها صيغة محددة للتقدم ) . 
فالحركة العربية الواحدة هنا هي (التجربة الاشتراكية) ، وان الجمهورية العربية المتحدة ترفض فرض صيغة هذه الحركة على أحد ، وإنما تدعو للحوار والتفاعل الى الحساسية التي كانت قائمة بين التيار البعثي والتيار الناصري في الستينات .
والناصريون بعد فجيعتهم بالقائد، فقدوا مصدرا رئيسيا من مصادر القوة لهم ، لانه مرت حقبة طويلة من الزمن كان فيها التعلق بالقائد والنضال معه موقفا كاملا.
والناصريون اليوم يحاولون كسب عواطف الجماهير وتأييدها عن طريق الثناء على الرئيس جمال عبد الناصر والاشادة بمواقفه وخطه ، والاستشهاد ببعض أقواله ، الا أنهم لم يضيفوا إلى فكره جديداً ، ولو مدّ الله في أجل الرئيس الراحل لأعطى الكثير ، لأن أبرز ما عرف به القائد الراحل انه كان يتطور مع الزمن ... 
واذا كان الناصريون اليوم يشيدون بدعوته للحركة العربية الواحده . فهم ما تحركوا خطوة واحدة في مجال قيامها ، بل انهم لم يحققوا الوحدة في الصف الناصري نفسه ، اذ لا تزال القوى الناصرية متناثرة هنا وهناك وهنالك ، لا يجمع بينها القناعات والسلوك والمواقف ، وانما الذي يجمع بينها هو اسم القائد والانتماء لتراثه . 
مطلوب اليوم أكثر من أي يوم مضى أن يحقق الناصريون وحدة القوى الناصرية ، لكي يكونوا مؤهلين للنصر القومي الكبير في قيام ( الحركة العربية الواحدة ) . 

الحركة العربية الواحدة في الفكر العربي : 

حين نستعرض تاريخ امتنا في القرن التاسع عشر والعشرين ، نجد انه لم يخل عقد من العقود دون ان تبرز جمعية قومية او تيار قومي ، ودون ان يشار بالبنان إلى ومضات ثورية تألقت من خلال الفرد أو الأ فراد ، تدعو جميعها الى وحدة صف عربي ، او تعاون عربي ، أو وقفة عربية واحدة، أو الى قيام تنظيم سياسي واحد يضم مناضلى الوطن العربي ، لكى يتصدوا للمساوىء التي تحيق بالوطن والمواطن ، واذا لم تشر هذه المحاولات السياسية والفكرية بشكل مباشر الى الحركة العربية الواحدة فقد كان أغلبها - ان لم يكن جميعها- يستخدم عبارات تشسير الى ضرورتها باعتبارها المحرك للدعوة، ومحصلة الطموح القومي .
لقد ارتفعت اصوات قومية اصيلة، لم تختلف في الجذور أو في التطلعات ، وانما تعددت وتباينت في نظرتها الى الاسلوب : فبعضها أخذ من الرسالة الاسلامية ما يطعم به العروبة ، وبعضها كان اسلامياً خالصا ، وبعضها كان قوميا عربيا لا يجحد بالاسلام ولكنه لا يقف عنده وانما يأخذ قسطه الاوفى من متطلبات العصر، وبعضها الاخر أولى الجانب الاشتراكي اهتمامه معتبرا انه الطريق القومي الامثل ..
فالرواد الاوائل القوميون الاشتراكيون ، والقوميون الاسلاميون .منذ قرن ونصف، بدءا من عبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، ورفاعة الطهطهاوي، واليازجيان، والبستانى ، ونجيب عازوري، و شبلي شميل ، وفرح انطون، ونقولا حداد، وابن باديس ، ومحمد احمد ، وخير الدين التونسي وغيرهم ...
وما حققه المناضلون العرب في المؤتمرات القومية، كالمؤتمر القومي العربي الاول في باريس في 17/3 /1913 والمؤتمر السوري عام 1921 ، وما ألفوه من جمميات عربية سرية في باريس والاستانة والقاهرة ودمشق وبيروت ، نذكر منها الجمعية العلمية السورية عام 1853، والجمعية القحطانية، والعربية الفتاة عام 1909 ، وجمعية العهد وغيرها من الجمعيات التى كانت جميعها تهدف الى وحدة المناضلين العرب سبيلا الى قيام دولة العرب الكبرى ..
كل هذه الومضات الثورية في تاريخ امتنا تطلعت الى هذا الهدف القومي باساليب شتى، وبشرت به، ورأت فيه الملاذ والامل...
صحيح ان هذه الشرارات انطفأت ، الا انها اخذت سطورا ناصعة في التاريخ العربي، كانت الهادي والموجه للنضال العربى . ولا تزال الاجيال المناضلة تقف أمامها بكثير من التقدير والاعجاب، وتستنير بما قدمته من آراء وملاحظات ودراسات، الا ان هجمة الاستعمـار الغربى على بلاد العرب بعد معاهدة سايكس – بيكو، ولد فراغا محزنا في النضال القومي وأوقع الامة العربية في براثن تمزق جديد يختلف الى حد بعيد عن ظاهرة الاستعمار العثماني .
لقد عمل الاستعمار الغربى جاهدا عن طريق التدخل بالفكر والتاريخ والتقاليد، وخلق العملاء ، من اجل عزل الاقطار العربية عن بعضها ، وافتعل دولا جديدة لم يكن لها وجود في تاريخ العرب، وافتعل قوميات تاريخية درست لعله يحول بين الشعب وبين انتسابه لامته، وكاد الشك يغزو الانسان العربى .. وفي غمرة التشويش والتزوير ، والارهاب هذه انبرى مناضل فرد هو ( ساطع الحصري) الذي كان بشخصه أكثر من حزب سياسي ، متصديا للدعوات الا قليمية والشعوبية والطائفية، يفندها بموضوعية مستندا على دعامتي اللغة العربية والتاريخ . وطرح الانتماء القومي الاصيل القائم على المنطق والبرهان، وأتى بدراسات مقارنة للقوميات في العالم .
وساطع الحصري ، حين يقوّم في عصره يعتبر من أهم رواد القومية العربية، ولكن يؤخذ على دراساته وفكره :
1- انه كان ردة فعل على المتآمرين على القومية العربية، ولم يكن اكثر من تأكيد للوجود القومى العربي .
2- لم يدخل في مضمون الفكر القومي، ولم يعالج مطلقا المشكلة الاجتماعية التي هي من اهم عوامل التردي العربي .
3- كانت دراساته اكاديمية مدرسية اكثر منها دراسات نضالية يأخذ منها الجيل المناضل زاده .
ولكنها مع كل هذا حمت الجيل من الفكر الدخيل ومؤامرات المستعمرين والانعزاليين ، وادانت الاقليمية، ودفعت الجيل العربي الجديد للاعتزاز بقوميته.

نحن والحركة العربية الواحدة :

جاء في ميثاق الحركة الوحدوية الاشتراكية في 1 تشرين الثاني عام 1961 أول اشارة واضحة الى الحركة العربية الواحدة تصدر عن حزب سياسي قومى :

( وتحقيقا لوحدة النضال العربي، تناضل الحركة في سبيل قيام حركة ثورية واحدة ، تشمل جميع أقطار الوطن العربي ، وتكون وسيلة الامة العربية لتحقيق أهدافها في الوحدة والحرية، والاشتراكية) .

وتلت هذه الاشارة الى الحركة العربية الواحدة مقالات عدة حولها ، نجتزيء من هذه المقالات التي وزعت على الاعضاء والانصار في حينه فقرات من كل مقال :
لقد جاء في نهاية كلمة مطولة عن ( الحركة العربية الواحدة في آفاقها الواقعية والحالية) عام 1963 ما يلي :
(... ان القوى القومية الاشتراكية مطالبة اليوم بالمهمات الرئيسية التالية في هذه المرحلة ولسنوات عديدة قادمة :
1- استكمال الوضوح النظري القومي الأشتراكي لدى الحركة العربية الواحدة ، ليكون دليلها الاساسي للعمل الثوري على مستوى الوطن من جهة وعلى المستوى القطري من جهة ثانية..
2- تصفية البنية الطبقية لهذه الحركة لصالح بنية طبقية عمادها العمال والفلاحون، أصحاب المصلحة الحقيقية والايمان الثوري الصادق بمجتمع الوحدة الاشتراكية .
3- تحويل الحركة العربية الواحدة الى حركة طلائعية ومنظمة وثورية وقائدة ، بقدر ما هي مستقطبة للجماهير، ومستوعبة لتحالف العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين ، والقواعد الشعبية الواسعة . 
4- استكمال شمول الحركة العربية الواحدة لجميع ساحات الوطن ، واستيعابها لجميع أدوات العمل الثوري فيه ، ذلك أن الاطار العربي الشامل ، هو الاطار الوحيد المقبول في النهاية ، وليس الغاء التعدد على المستوى القطري الا مدخلاً أولياً لالغاء التعدد على المستوى القومي ، فبذلك لا تصل الحركة ، إلى مداها الطبيعي وحسب ، وانما تنمي ثورتها وقدرتها على العمل العربي الثوري باستيعابها لجميع الثوريين العرب والقوى الثورية العربية . 
5- الاستفادة من المعركة السياسية والاجتماعية الدائرة في ساحة المشرق خاصة ، وساحات الوطن العربي عامة، كمحك عملى، وارض ثورية، تستطيع العناصر الثورية أن تتخذ منها نقطة انطلاق وظروف موضوعية مواتية لبناء حركة ثورية في قلب المعركة لا بعد انتهائها، وتكتسب منها صلابة تنظيمية ونضالية، وصفاء طبقيا ثوريا، وتجارب خصبة غنية.
6- قيادة النضال ثوريا في سبيل قضايا الوحدة والتحرر والاشتراكية والديمقراطية، واسترداد فلسطين، وفي سبيل قضية التحرر والاشتراكية في كل مكان) .
* وصدرت نشرة عام 1964عن (الحركة العربية الواحدة ) نقتبس منها الفقرات التالية :
(... فالحركة العربية الواحدة حب قبل كل شيء لانها نكران للذات ، وتفاعل حي ، وذوبان ارادي مختار في سبيل وحدة النضال العربي التي هي سبيلنا للوحدة العربية.
أن اكبر تضحية يقوم بها الفرد هي أن يضحي بكل ما يملك في سبيل أمته، واكبر تضحية تقوم بها حركة من الحركات هى ان تضحي بوجودها مختارة وهي قوية عزيزة.
فالحركة العربية الواحدة تتطلب من اعضائها اليوم روحا جديدة، وتساميا في الخلق والتفكير والسلوك، فلا احقاد بعد اليوم لان كل المواطنين الطيبين مطالبون بحمل مسؤولياتهم بقلوب مخلصة مؤمنة ، لذلك كان حتما على هؤلاء الاعضاء أن يبدؤا من الحب والتسامى ، فمن لا يحب المواطنين لا يحب الامة ، وبالتالي لا يحب وطنه، لان المواطنين جزء من الامة . ) 

* وجاء في الميثاق المتطور عام 1965 اشارتان للحركة العربية الواحدة في بحث الوحدة العربية:

( ... 5 - ان تكون اداة الوحدة ثورية ، تبدأ بطلائع الشعب العربي المناضل ، وذلك بالتقاء القوى الثورية الوحدوية المنظمة في الوطن العربي والتحامها وصهرها فكراً ونضالاً أي هدفاً ووسيلة . ) 
ويأتي بعدها :
(... والوحدويون الاشتراكيون المؤمنون بوحدة هذا الوطن ووحدة هذا الشعب ، المؤمنون بضرورة وحدة الأداة ( الحركة العربية الواحدة .. ) 
* وجاء في النظام الداخلي لعام 1965:
( المادة 56- لا يحل هذا الحزب الا في سبيل الوصول الى التنظيم السياسي الواحد او الحركة العربية الواحدة ، والحل لا يكون الا بقرار من المؤتمر القطري تتوافر فيه اكثرية ثلاثة أرباع الاعضاء وموافقة القيادة القومية.)
* وحين قامت ندوة الاشتراكيين العرب في الجزائر في 22 أيار 1967 قدمنا بحثا مطولا يربو على المائة صفحمة حول وحدة القوى التقدمية لا يمكن اختيار فقرات منه لانه بحث كامل في ثلاثة فصول :
الفصل الاول : يعرف القوة التقدمية ويعدد صفاتها.
الفصل الثانى : يناقش الآراء المطروحة حول وحدتها.
الفصل الثالث: يرسم الطريق الى هذه الوحدة .
ورغم ملاحظاتنا العديدة اليوم على هذه الدراسة بسبب تغير الظروف العربية والدولية، فاننا نرى انها تصلح ان تكون مرجعاً لهذا الموضوع الهام ...

* وحين جرت مباحثات قيام الجبهة الوطنية التقدمية في القطر العربى السوري عام 1971 كانت لنا دراسات متعددة قدم بعضها ونشر البعض الآخر في ( الوحدوي الاشتراكي ) حول الحركة العربية الواحدة ، نكتفى بالاشارة الى العدد (36) في في 15 / 11 /1971 حول الجبهة والتنظيم السياسي الواحد والحركة العربية الواحدة .

* وجاء في مقدمة الطبعة الخامسة لميثاقنا عام 1974 الفقرات التالية :
( الحزب الوحدوي الاشتراكي حزب عربى قومى، وحدوي ، اشتراكي تقدمى ، يؤمن بان الثورة العربية هي الهدف القومى لامتنا، وان الاداة الثورية الواحدة هي الطريق الوحيد لتحقيق هذه الثورة، وجاء في المقدمة ايضا :
(... ان وحدة المناضلين العرب ، ووحدة النضال العربي هي الطريق الى الوحدة العربية، أي ان نجاح الثورة العربية رهن وحدة الثوار، وان وحدة الاداة الثورية (الحركة العربية الواحدة) هي المطلب الاول من الثوار العرب) .
وبعد:
ماجاء مطلب الحركة العربيه الواحدة رمية من غير رام ، أوعنوانا دون مضمون ، وانما جاء نتيجه للاحداث والمحن التى المت بالعرب في مختلف الظروف، فاقنعتهم بانهم ما داموا قوى ممزقة فهم عاجزون عن اثبات وجودهم ، وعاجزون عن الحسم في المواقف الكبيرة ، وانهم سوف يبقون مطمح انظار الغزاة والمسستعمرين .
واقنعتهم بان لا تقدمية مطلقا في الحرص على تعدد القوى ، ولا تقدمية في كسب جانب من الجماهير العربية، ولا تقدمية في الوقوف عند النضال القطري ، وانما التقدمية في وحدة القوى السياسية القومية الاشتراكية في قوة واحدة تضم الجماهير العربية اليها من المحيط الى الخليج .
لو كانت الثورة العربية ممكنة دون أداة ثورية لاشحنا بوجوهنا عن الحركة العربية الواحدة ، ولكن لا فعل دون فاعل قادر . ولا ثورة فاعلة الا بالثورة ، ولا ثورة دون ثوار، ولا ثوار دون اداة ثورية.
فالحزب هو مادة الثورة دائما ، وحين تقوم الثورة بالحزب الثوري تنجح كما حدث في ثورة اكتوبر العظيمة 1917، وحين تفتقد الثورة الى هذا الحزب تفشل كما حدث للثورة الفرنسية 1789، فالتنظيم الحزبي الثوري هو الذي يقود الثورة ويحقق لها النمو، والا ضاعت الثورة في متاهات التناقضات والارتجال والعفوية، والنضال القائم على الرد على الاحداث المباشرة دون هوية استراتيجية تقوده سوف يبقى مشوشاً وغائما.
شعبنا شعب واحد، له قضيته الواحدة، ومن الضرورة بمكان ان يكون له نضاله الواحد من اجل الهدف الواحد، اذ كيف يمكن أن تقوم الدولة الاشتراكية وثمة صراع يحتدم بين المناضلين ذوي الهدف الواحد !..

دخيل على النضال كل دعوة تؤكد الفرقة والتباعد بين هذه القوى : 
لا تقوم دولتنا الاشتراكية الا حين تصفو النفوس من الاحقاد ، ونمارس التعاون مع بعضنا، ونلم شملنا بعد تمزق ، ونوحد فكرنا ونضالنا، ومحال ان نحقق نصر قوميا ونحن مختلفون في الرأي متباعدون في النضال ...
لا وزن للجماهير مهما كانت مؤمنة ان لم تكن منظمة تحتويها مؤسسة نضالية واحدة .
فالحركة العربية الواحدة تنقل الجماهير من القوة الكم المبعثرة الى القوة الكيف المنظمة، انه من خلال هذه الحركة نحقق للعرب ثورتهم الكبرى في قيام دولتهم الكبرى ..
ليس من حزب سياسي قومي اشتراكي الا واكد لمناضليه ان هذه الحركة هي الموقف الثوري ، فلماذا تحجم هذه الاحزاب عن مسؤولياتها في هذا المجال!..
لا عذر بعد اليوم لاي حزب سياسي لا يعلن استعداده للحوار من أجلها، لان هذا الموقف الكبير هو تعبير نضالي ثوري عن ايماننا الراسخ الاصيل بوحدة الامة من خلال وحدة مناضليها...
لقد أعطت الاحزاب السياسية رأيها بضرورة هذه الحركة، وجاء دور وضعها لهذه القناعة موضع التنفيذ...

العقبات الجاهزة :

اذا تصور المناضلون انهم سوف يمرون بموضوع الحركة العربية الواحدة مرورأ عابرا لمجرد انهم ارادوها، أو انهم سوف يحققونها بزمن قصير كما رسموها في الخيال والتصور فهم واهمون، فالمعركة سوف تبدأ ضدهم مذ يعلنون قناعتهم بها وعزمهم عليها، فكيف اذا اعلنوا تصورهم لها وبذلوا محاولات من أجلها.. ولكل مرحلة يمر بها المناضلون مستوى معين من المعارك يفرض عليهم ..
فالموضوع ليس سهلا، أو انه قابل للتحقيق ببعض اللقاءات والمفاوضات، فدونه قوى ومواقع ومصالح يحرص اصحابها على عدم التفريط بها ولسوف تتصدى هذه القوى المضادة لها اكثر من تصديها لاعداء القضية العربية ، بل انها قد تنسق مع هؤلاء الاعداء من اجل ان لا ترى النور...
أقول : ليس الموضوع سهلا يمكن تحقيقه من خلال القناعة به، وحوار اطرافه، ذلك لان اعداء أمتنا يرون فيه الخطوة الجدية الاولى في دخول محراب الوحدة ، وما اكثر اعداء الوحدة !..
فالاصلاحيون سوف يعملون جاهدين للصراع مع الحركة ومع أطرافها، ولو لم تكن الحركة اكثر من فكرة ، فاذا انتصروا عليها كفكرة كان لهم ما يريدون، وان لم يستطيعوا حاربوا أشخاصها واسلوب بنائها فاذا انتصروا عليها كان لهم ما يريدون ، وان لم يستطيعوا ركبوا موجتها لكي يعبثوا بها ، ويوهنوا انطلاقتها، ويشوهوا ثورتها، والحركة حين لا تكون ثورة هدفا واسلوبا وجماهير ثورية تضعف مسيرتها...
فالثوريون وحدهم مادة هذه الحركة الثورة، وهم القوة الفاعلة فيها، وموقع الحركة العربية الواحدة من الثورة العربية : مناخها ومادتها وتجاربها وجماهيرها وتطلعاتها … 
فالتحدي الذي يواجهه قيام حزب قومي اشتراكي لا يواجهه قيام الحزب الاقليمي الاصلاحي ، ذلك لأن الاقليمية هي الوجود المستمر التي تحمي الامتيازات والمصالح ، وتحرص على الواقع الراهن ، وتُحمى بالمقابل من الفئات الحاكمة والطبقات المستغلة ، حتى لتكاد تكون هي الأصل ، والوحدة هي الاستثناء ؛ يجب ألا يغيب عنا يوماً انه للاقليمية حراسها الأمناء عليها ، الملتزمون بها ، المدافعون عنها ، والذين يرتبطون بها ارتباطاً مصيرياً ، لأن مصالحهم ومواقعهم ومبرر وجودهم قائم على الحفاظ على الاقليمية والدفاع عنها ... 
والذين يدافعون عن الاقليمية ومرتكزاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، لا يدافعون عنها كفكرة أو تيار له نظريته ، وانما يعبرون عن حرصهم على الواقع لأنهم جزء منه ، وهم حين يطعنون بدعوة الوحدة وسلامة خطها وجدّية مسارها فإنهم يدافعون عن مواقعهم الاقليمية ، وعن الواقع الاسيان المفروض على العرب . 
والمناضلون العرب القوميون والاشتراكيون، والمناضلون القوميون الاشتراكيون ، يعبرون عن ثورتهم على هذا الواقع الذين يدينونه بالفساد ، لذلك يعتبر من اوليات نضالهم الصراع مع كل المنتفعين من هذا الواقع ؛ ومن المحزن المفجع ان هؤلاء المناضلين لا يزالون اسرى ردود الفعل على الواقع المفروض عليهم من خلال ما يخلقه لهم الاقليميون من مشاكل يومية ذلك :
ان العرب اليوم يسيرون الى مزيد من التجزئة من خلال المعارك المضادة ، وهذه سياسة مدروسة يفرضها الإقليميون من حكام وقوى سياسية وطبقات اجتماعية على القوميين الاشتراكيين ، لكي يكون كامل النضال القومي هو الدفاع عن تجرئة التجزئة ، حينئذ تبقى الاقليمية. هي الاصل ، لاننا حين نتصدى- لتجزئة التجزئة وحدها فكأننا نرسخ التجزئة ، بل ان نصر الاقليميين على القوميين يتحقق في حصر النضال القومي الإشتراكي في التصدي لمؤامرات التجزئة الجديدة!...
حين نستعرض مسيرة النضال القومي الاشتراكي اليوم ، نجد ان هذا النضال وقع في شرك ردة الفعل على الرجعية العربية والصهيونية العالمية والامبريالية العالمية ، ولا اعتراض على هذا التصدي لانه مطلوب من المناضلين ، ولكن اعتراضنا هو أن لايبعدنا كل هذا عن ( الفعل ) الكبير الذي به نصحح الخطأ في النضال ، ونتصدى به جذرياً للمؤامرات والمتآمرين ، بل ربما أصبح كامل مواقف المتآمرين ردة فعل على نضالنا ..
أعود فأوكد : انه لن تمر تجربة الحركة العربية الواحدة دون صعوبات لاحصر لها ، وعقبات لا حدود لها ، بل مانكاد نذلل خطراً حتى يلم بنا خطر جديد ، ومانكاد ننتصر في معركة حتى تفرض علينا معارك جديدة ... 
باختصار ان التحدي الذي سوف يواجهه قيام هذه الحركة هو اكبر بكثير من أي تحد تمر به أية تجربة نضالية في التاريخ العربى ، لان هدفها الاساسي هو اقامة الوحدة ، والوحدة هي الخطر الماحق لكل المتآمرين على الامة العربية... والوحدة العربية بعد كل هذا لا تزال منيعة عنا قرونا، وهي لن تنزل من عليائها لاننا نريدها ، بل اننا لن نصل اليها إلا بالوعي لها ، والالتزام النضالي المنظم من أجلها ؛ اننا نصل اليها بالجهد والنضال والصمود والتضحية ، وحين نسترخص كل شيء من أجلها ؛ فالحركة العربية الواحدة التي ندعو لها ليست هدفا بذاتها، وإنما هي الوسيلة النضالية الى الهدف الكبير ، والهدف بكثير من الوضوح والموضوعية هو قيام دولة العرب الاشتراكية، ودون هذا الهدف اهوال ومشقات، وجهد ونصب، ودماء وضحايا!..
فالحرب التي يلتزم بها دعاة الحركة تتمثل في جبهتين اثنتين:
الاولى : جبهة فكرية تدين كل الافكار التي تناهض الحركة وتطلعاتها، لانه بدون الادانة لا تقوم دعوة، ودون هدم لا يقوم بناء سامق ، بل ان اخطر شيء في نضال الدعوة ان تقبل المساومة في الفكر...
الثانية : جبهة الصراع العنيف بكل اشكاله ضد القوى المضادة لتجريدها جماهيرها : لان الجماهير حكما هي ملك الحركة لا ملك القوى المضادة ، ولا هدنة مع هذه القوى الى أن تسقط جميعاً . 
والصراع الذي سوف يفرض على هذه الحركة ذو شقين اثنين أحدهما داخلي والآخر خارجي : 
1- لايعقل ان يجد أصحاب النفوذ والمصالح والامتيازات وجودهم مهددا ويقفون مكتوفي الايدي منها، وهم المسلحون بالسلطة والمال والجذور العميقة في تاريخنا الكالح ، واغلبهم من العائلات التي استشرت في البلاد ، فهم يرون في قيام هذه الحركة تحدياً لهم ولمعطيات الواقع الذي يحرسونه ، يرون فيها تهديداً لوجودهم ؛ وهؤلاء لن يحاربوها بوسيلة محددة ، وانما بأساليب شتى ، منها بمحاربة جيلها في مصدر رزقهم ، ومطاردتهم باعتبارهم هدامين ، ومنها بايجاد الاحزاب التي تتمسك بالتقاليد ، واتهام الحركة بأنها الحرب على التقاليد والقيم والتاريخ. 
2- والشق الخارجي تمثله القوى المضادة للأمة العربية ، وهذه سوف تجند اعلامها القوي والواسع دفاعاً عن الفئات الحاكمة ، والكيانات الاقليمية ، وبدعم القوى السياسية الجديدة المتصدية لها وخلق النظريات الجديدة التي تؤكد التمزق والتجزئة والتباعد والعداء .. وليس ببعيد أن يقوم التنسيق فيما بين القوى الأجنبية المضادة وبين القوى الوطنية الداخلية أيضاً ، لمنع هذه الحركة من أن تأخذ بأسباب الحياة والوجود . 
وطبيعي بعد كل هذا انه ليس ثمة شيء أصعب نهجاً وأكبر اهمية من تغيير الواقع المتخلف ، وابداله بالواقع الأفضل .  
صحيح أن المناضلين يمثلون حركة التاريخ التي هي التقدم والثورة ، ولكن الصحيح أيضاً أن الرجعيين يدافعون عن تاريخ له جذوره وتقاليده وارتباطاته ، وله قواه المدافعة عنه ... ولا نضيف جديداً حين نؤكد بأن غالبية القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة بالوحدة والاشتراكية معاً سوف تكون إلى جانب الرجعية من خلال عدم قدرتها على استيعاب الفكر الجديد ، ومن خلال ارتباطها بالواقع الكالح هذا الزمن الطويل . 
فمهمة المناضلين الثوريين كبيرة وشاقة دونها الجهد المضني ، لأن القوة التي سوف تتصدى لهم بشكل مباشر هي قوة الكادحين أنفسهم ، لذلك يمكن اعتبار الفكر والتخطيط ليسا أقل أهمية من عملية الصراع نفسها ، والنفوذ إلى فكر الكادحين ونفسياتهم واراداتهم بعد قرون من التخلف ليس بالأمر اليسير ، فإذا أمكن للثوار أن يحسنوا التبشير بالفكر الجديد دون استفزاز الكادحين بعزلهم عن البورجوازيين والاقطاعيين والحكام ، لتعود إلى الحركة جماهيرها الحقيقة ، سجلوا أسمى خطوات النصر ... 

الطريق :

وفي الوقت الذي تؤكد فيه كل القوى القومية الإشتراكية أن كامل نضال الامة العربية يصب في بحر الثورة العربية، حري بهذه القوى أن تفتش عن الطريق الذي تكون فيه أداة الثورة أداة واحدة ، ان الثورة العربية الواحدة تتحقق من خلال الأداة الثورية الواحدة ؛ وكل التعثر الذي يلقاه العرب في مسيرتهم هو من خلال التناقض في النضال ، لأن هذا التعدد المتناقض ، فضلاً عن انه يهدر طاقات الأمة الواحدة ، فهو يحرف خط النضال الصحيح ، ويخلق فيه فجوات مريعة. 
وإذا كنا نضع خطوطاً أساسية في قيام هذه الحركة ، فإننا لا ندعي انها الطريق الوحيد الى الحركة العربية الواحدة ، ولكنها محاولة مخلصة جادة قابلة للحوار والتعديل : 
فالطريق الى هذه الحركة في نظرنا تبدأ من المنطلقات التالية : 
1- ان تأتي الدعوة اليها من القوى السياسية لا الحكومات و جواباً للقلق الذي يجتاح الجيل العربي، واذا كان للانظمة التقدمية وجودها فذلك من خلال تأييد هذه القوة ودعمها، ذلك لأن كل تجارب الانظمة التقدمية في هذا الميدان باءت بالفشل الذريع ، واثبتت التجارب ان الحكومات مهما كانت تقدمية لا يمكن لها أن تكون بديلا عن القوى السياسية التقدمية ، ولان تجارب الحكومات فشلت عبر هذا الزمن الطويل فقد جاء دور التجربة الشعبية بقواها السياسية المنظمة، وهي التجربة الاولى في تاريخ الامة العربية .
2- ان تأتي الدعوة اليها من الحركات السياسية الكبرى وليس من الحركات السياسية الصغرى، وهذا يمنح الدعوة قوة لها ويعبر عن الجدّية فيها ، لأن الدعوة حين تأتي من القوى السياسية الصغرى يبدو وكأنه دفاع عن افلاس هذه القوى ، وهي حين تاتي من الاحزاب القومية الاشتراكية الكبرى يشير إلى قوتها وجديتها ، مع التأكيد أن تلتقي أحزاب المشرق العربي ، ويتحقق هذا في مؤتمر قومي بعد اتصالات تقوم بها هذه الأحزاب ، ولا يضير المؤتمر أن تتعدد جلساته ودوراته لقاء الوصول الى ميثاق قومي يحلل الواقع والتطلعات ويضع الزمن المحدد للانجازات ، ويحدد الفكر والسياسة والنشاط الحزبي ... 
والقبول بالحركة العربية الواحدة يتطلب ارتفاعا من القوى السياسية الى مستوى هذا المطلب القومي الكبير، والارتفاع يتحقق بالمواقف التالية :
آ - ان لا يعتبر أي طرف من أطراف الحركة أن رأيه هو الصواب ، وانه محور الحركة الاساسي.
ب- ان يلتزم بما تقره الاكثرية - بعد الحوار- .
جـ – ان لا يكون لاي طرف شروط مسبقة يفرضها على الاطراف الاخرى .
د- ان يعرف الجميع مسبقاً بان جسم الحركة الجديدة هو غير القوى التي تمثله...
3- ويشترط في الدعوة الى هذه الحركة التأكيد على تقدميتها، لان الحركة التقدمية تقوم على الجماهير الكادحة، وتهدف الى تغيير ظروفها وتطويرها جذرياً . فالوحدوية لوحدها ليست تقدمية دائما لانه يمكن لها ان تقوم على قواعد غير صحيحة، والاشتراكية لوحدها ليست تقدمية دائما لانه قد توضع لها أسسها وخطها النضالي من غير اصحاب المصلحة فيها، والفكر الوحدوي الاشتراكي المجرد قد لا يكون تقدميا حين يبقى اكاديميا نظريا لا يترجم الى التزام ونضال وعطاء بواسطة القوة الاجتماعية صاحبة المصلحة فيه.
فالحركة التقدمية اخيرا هي التي تقوم على الجماهير العربية الكادحة من اجل اقامة الوحدة الاشتراكية، واقامة الوحدة الاشتراكية تعني في أول خطواتها تحرير الوطن والمواطن، ورفض الواقع الفاسد، وترسيخ الديمقراطية، سبيلا الى الالتزام بتطلعات الجماهير العربية في تحقيق دولتهم
الاشتراكية.
4- ان تقوم هذه الحركة على اساس استراتيجي ، لا ان تكون رد فعل على الأحداث الطارئة ، لان مجرد زوال الظروف الطارئة يبعث فيها الضمور والانحسار ، حيث تصبح هذه الحركة مرحلية ذات عمر محدود . 
وبالمقابل يجب ان تكون للحركة استراتيجيتها الواضحة في كل ميدان ، لأن الخط الواضح هو الذي يعصمها من الارتجال وتعدد الآراء ، ويمدها بالنماء والتقدم ؛ فـقد يكون من اسـتراتـيجية الحركة أن تقر التعدد لفصائل ثورية تحمل خطها وفكرها واسلوب نضالها في بعض الاقطـار العربية ، لكي تصب أخيراً هذه القوى قدراتها وانتصاراتها في خط الحركة .
5- ان تعرف القوى السياسية (أطراف الحركة) ان الدعوة الى هذه الحركة ليس لقاء أو تعاونا او تنسيقا فيما بينها، بل انه ليس اندماج القوى مع بعضها، وانما الحركة العربية جسم جديد ميزته انه يجمع قمة فكر وخبرات اطرافه : 
له فكره المتقدم المتميز الذي تجاوز فكر أطرافه وعقلياتها وتقا ليدها.
له خبرته المتميزة التى جاءت من خلال خبرات أطرافه.
له قيادته القومية الجديدة التي ارتفعت الى مستوى الحدث الكبير.
له استراتيجيته ا لقومية الثورية التي تحررت من رواسب الاقليمية والظروف الطارئة، والتي هي ثمرة جديدة من ثمار الصراع الجدلى بين الافكار والارادات والتطلعات ، ومقتل هذه الحركة يكمن في الوصاية عليها من حزب من احزاب الامة العربية أو دولة من دولها..
6- الفكر الواضح الجرىء الذي تمثله هذه الحركة هو الفكر الذي اثبت وجوده واستفاد من تجارب الأمة ، ورد بموضوعية على قلق الجيل العربي الجديد ، ليكون فكرالحركة العربية الواحدة هو دستور المناضلين العرب من المحيط إلى الخليج . والفكر لا يأتي إلا من خلال الحوار الموضوعي الهاديء ، وهو حين يطرح كاملاً يضع المناضلين أمام خيارين : 


آ - اما التحجر والجمود امام الحزبية الاقليمية وهؤلاء لا خير فيهم لانهم منحرفون عن خط الامة.
ب- او الانفتاح على الطريق الثوري الجديد والالتزام به.
لا نذيع سرا اذا قلنا بان كامل القوى السياسية القومية الاشتراكية تفتقر الى النظرية القومية الاشتراكية الواضحة الكاملة، وهي حتما تتفاوت فيما بينها في مستوى الوضوح، فالعناوين العريضة في النظرية لا تمثل شيئا ما دامت تفتقر الى المضمون التفصيلي.
فالنظرية شيء غير التبشير بالاهداف، لان النظرية وضوح كامل، أما التبشير بالأهداف فهو تبرير العنوان للمواطن ، وتقريبه الى قلبه والحديث عن أهميته وضرورته بوسائل شتى يلعب فيها الاجتهاد دوره، ويبقى كل هذا مفتقرا الى لماذا، وكيف، حيث تصبح القضية: نظرية في الفكـر، ونظرية في التطبيق .
لا يكفي ان يكون فكر الحركة ضد الفقر والقهر والاستغلال مثلا لكي تكون الحركة اشتراكية، وانما يجب ان تكون الحركة عارفة بتفاصيل ما تريد ، وتجمع الفقراء والمقهورين في صفوفها لا لكى تناضل عنهم لتعطيهم حقوقهم ، هنا تكمن اكبر ظاهرة تخلف في النضال الثوري ، لأن هذا الموقف يوقع النضال في هوة لا قرار لها، ويمتص منه ثوريته وجديته.
أن دخول الجماهير العربية الكادحة الثورية المنظمة حلبة الصراع من أجل القضية الاشتراكية ، يجنب الثوار الطليعيين كل متاعب الثورة ، ويذ لل امامهم عقباتها، ويمحو- والى الابد- ظاهرة الشعور بالاضطهاد. 
فالجماهير الكادحة هي مادة الثورة وهدفها وقاعدتها وقمتها... اننا من خلال نضال هذه الجماهير، بعد وعيها لاهدافها، نقضى على المجتمع الاقطاعي أو نصف الاقطاعي، والبورجوازي الكبير والصغير، لنصل فعلا الى مجتمع الاشتراكية، حيث تصادر بحزم كل مصادر الاستغلال لتؤول ملكية وسائل الانتاج الى الشعب وتصبح القيادة فى المجتمع للقطاع العام .....
7- مما مر نؤكد على أن تعيش الحركة فكرها واستراتيجيتها من خلال المواقف، فالمواقف والانجازات على الارض تبعث الثقة في نفوس الجيل العربي، وتشعره بمسؤولياته، والنضال والعطاء يفعل في النفس اضعاف ما يفعله الفكر ولو كان تقدميا، ولقاء المناضلين في سوح المعارك يصهرهم وينهي روابطهم الحزبية السابقة .
8- ان يكون لها جيلها المؤمن بها، المبشر بمبادئها في كل الوطن العربي، والذي يتكامل مع بعضه ضمن الفكر الواضح والخط الواضح ... حيث تتسع هذه الحركة الثورية لكل الاحرار الثوار ..
وأخيرا : لا ندعى أننا وضعنا التصور الكامل للحركة العربية الواحدة، ولكننا في هذه الدراسة عبرنا عن قناعتنا بها وحرصنا عليها ، وأشرنا الى ضرورتها واعطينا ملامح الطريق اليها، مؤكدين ان نبقى مخلصين لاهدافنا الاستراتيجية، ذلك ان كل مناورات الامبريالية والصهيونية ترمي الى الهائنا بالمعارك الجانبية- عن اهدافنا الكبرى ، فما ان ننتهي من معركة حتى تفرض علينا معركة أخرى ؛ اننا حين ندعو اليها اليوم لا ندعو الى ترك المعارك المفروضة علينا، فخوض هذه المعارك واجب لا بد منه، ولكننا نؤكد ان دعوتنا الى وحدة النضال العربي من خلال هذه الحركة تبتر النفوذ الامبريالى- الصهيوني الى حد بعيد ، لان هذا النفوذ ما تسرب الينا الا من خلال تمزقنا.
اننا حين نقدم هذه الدراسة المبدئية لتصورنا للحركة العربية الواحدة ندافع عن هذا التصور بما نملكه من قناعات ، ولكننا لا نتمسك به حين يقتضي الحوار تعديله او حتى الغاءه ، لان الرأي الذي ينجم عن الحوار بين القوى السياسية في الوطن العريي هو اكثر ثراء من اية دراسة تقدم من أي طرف من الاطراف.
ويقيننا أنه لن يمر زمن طويل الا والحركة قد رأت النور، ذلك لاننا لسنا اكثر حرصا من سوانا على أمتنا، وطبيعي انه لا طريق الى الوحدة السياسية المنشودة يسبق طريق وحدة النضال العربي، وثابت من دراسة نشوء القوميات في العالم ان جميع أمم الارض فتشت عن طريقها الصحيح الى الوحدة واهتدت اليه حين وحدت صفوفها في التصدي لمخاطر استمرار التجزئة، وما هذه الحركة الرائدة الا اسمى وانجع الطرق الى الوحدة الاشتراكية .