Home مفهوم الحرية في فكر عبد الناصر

مفهوم الحرية في فكر عبد الناصر

مفهوم الحرية في فكر عبد الناصر


حين اجتمع الضباط الأحرار فور انتصار ثورتهم وطرد الملك ، ناقشوا نظام الحكم، وكان الرأي بالإجماع أن الديكتاتورية هي النظام الامثل للثورة ، وكانوا جميعا يهدفون إلى أن يمسكوا بخناق الشعب كما كان يمسك الملك ، ولم يكن فيهـم من يؤمن بسيادة الشعب، متذرعين بالخوف من الثورة المضادة ، وان الديكتاتورية العادلة خير من الديمقراطية المهددة .
وبعد أن أدلى كل بدلوه بحماس حول ضرورة الديكتاتورية العسكرية، أعلن (البكباشي) جمال عبد الناصر رفضه للديكتاتورية نظاما لثورة يوليو، مؤكدا أن حكم الملك كان يمثل الديكتاتورية بأقنعة ديمقراطية مزيفة ، وان ما كنا نشكو منه هو فقدان الديمقراطية الحقيقية، وإذا أخذت الثورة بالدكتاتورية فما هو مبرر قيامها ، وان الشعب لا يخيف الثورة كما تدعون، بل إن قوة الثورة في مدى وجود هذا الشعب في مؤسساتها ، وإرسائه التقاليد الديمقراطية فيها.
وعارضه رفاقه بحماس ، مؤكدين له أن الشعب لا يحكم بغير الحديد والنار، وانه ليس من ثورة في الدنيا بدأت بالديمقراطية، وانه من الخطورة بمكان أن تنتهج الثورة هذا السبيل، وليس للثورة من طريق غير القوة، ولا قوة إلا بحكم الجيش، وان هذا السبيل هو السبيل الامثل... وأحرجوه حين طرحوا عليه موضوع النظام على التصويت، وفاز اقتراحهم بأصواتهم جميعا ومعارضة السيد جمال عبد الناصر.
آنذاك كان الموقف الكبير حين أعلن القائد انسحابه من مجلس الثورة ، لأنه لا يريد أن يعيش عكس قناعاته المصيرية... وهرع رجال الثورة يسترضونه فأبى القبول بالعودة عن قراره بالانسحاب، وتجمعوا يدرسون الموقف الجديد بدونه... وكان أن رضخوا لمشيئة قائد الثورة ورضوا بالديمقراطية نظاما للثورة ولو كان ذلك مخالفا لقناعاتهم ، لأنهم لا يريدون أن يفقدوا القائد، وكان هذا الموقف هو أول لبنات بناء الثورة... ولقد كان عبد الناصر عازفا عن استلام السلطة، ساعياً إلى أن تستلم الأحزاب القائمة مسؤوليات السلطة بعد تطهير صفوفها ففشل ، إن الثورة كانت تهدف في البداية إلى أن تطور الأحزاب نفسها لتتولى سلطة الحكم وتقوم هي بالتغيير، وهو ما عبرت عنه صراحة قرارات تطهير الأحزاب ، ومحاولة إعادة تشكيلها في الداخل (ولكن الثورة لم تجد عند الأحزاب أي استعداد لتقديم صالح الشعب على صالحها) .
*
لقد اختار عبد الناصر (الديمقراطية) حين لم تكن ثمة قوة تفرضها عليه، وحين كانت أقصى طموحات الشعب هي الخلاص من كابوس الملكية والطبقة الحاكمة والإنجليز ، ولم يكن يدور في خلد أحد أن الثورة يمكن أن تختار حكم الشعب وبالشعب ومن أجل الشعب ، والدبابات تجوب الشوارع ، والمدافع مصوبة على المؤسسات ، والثوار يهاجمون ثكنات بريطانيا في القنال .
لقد كانت الديمقراطية اختياراً إراديا من الثائر لشعبه ، وليست تلبية لمطالب الشعب في الشارع ولا ظاهرة ضعف من القائد ، وإنما كانت انعكاساً لقناعته بأن الشعب هو الأصل ، وهو وحده وجه الثورة ، به تقوى الثورة وبدونه تضعف .
فالإيمان بالجماهير كان بنظره غاية ووسيلة، لذلك اتخذ الجماهير هوية للثورة منذ خطواتها الأولى.
إنه منذ الأيام الأولى للثورة وهو يتجه إلى الجماهير يقول لهم بأن هذه الثورة ثورتهم، إنها منهم واليهم، ولم تأت إليهم من فوق ، وأنما جاءت منهم لتسير معهم ومن اجلهم .
واعتبر السلطة وسيلة لتحقيق أهداف الجماهير وطموحاتهم ، وافسح المجال لهم لكي يكونوا معها في كل ميدان مؤكدا أن الجماهير التي تقدم ضريبة الدم في صراعها مع الإنكليز قمينة أن تأخذ مكانها اللائق في تسيير دفة أمور السلطة، ولم يفرض نفسه قائدا على الجماهير من خلال الثورة ، وإنما الجماهير هي التي بايعته على القيادة حين رأته يحمل من الأعباء أضعاف ما تحمل، ويسهـم معها في معارك التحرير والبناء كما تسهم .
لقد كان القائد يؤمن بأن الديمقراطية لا تترسخ من خلال صناديق الاقتراع وحدها، ولا من خلال المؤسسات الشعبية والنقابية التقليدية وحدها، ولا من خلال القوانين التقدمية، وإنما تترسخ الديمقراطية من خلال بناء الإنسان ، فالإنسان الديمقراطي الحر الكريم هو الذي يبني المجتمع الديمقراطي الحر الكريم ، لان بداية مجتمع الأحرار هو المواطن الحر .
لقد ضمن حق العمل كما ضمن حق الإضراب ، وضمن حق الترشيح كما ضمن حق الانتخاب، وأفسح المجال للرقابة الشعبية على الدولة ، وضمن حق الحياة الإنسانية الكريمة لكل مواطن، وأنهى أسطورة أرباب العمل والاحتكار والمضاربات ومناطق النفوذ... وكما منح الشعب حقوقه السليبة هذه دفعه إلى القيام بواجباته ، بعد أن كان يقدم أضعاف ما يطلب منه من واجبات للغير ولا ينال شيئا من هذه الحقوق، أصبح هذا الشعب يقدم واجباته لنفسه للمجتمع..
وأنصرف إلى النصف الثاني من المجتمع (المرأة) يوقظها من سباتها ويفتح أمامها فرص العلم والعمل والحياة ، ولأول مرة في تاريخ مصر وبلاد العرب تصل المرأة إلى الوزارة والى كافة مؤسسات الدولة.. وبعد أن كانت المرأة عنصرا ثانويا وعبئا على المجتمع أصبحت المرأة عنصر بناء وقوة في المجتمع، وأصبحت قادرة على الترشيح والانتخاب في مختلف المؤسسات الشعبية والنقابية .
وبعد أن كانت الطبقة الحاكمة تضع القوانين والنظم والشرائع والتقاليد من أجل ترسيخ مصالحها وامتيازاتها أصبح الشعب هو الذي يسهم في وضع القوانين والنظم والشرائع والتقاليد التي تضمن حقوقه وامتيازاته ، وترسخ العدل الاجتماعي وتصون الكرامة والحرية ..
*
ما كانت الحرية في نظر القائد هي الحرية المطلقة ، والا كانت دعوة طوباوية لا وزن لها في عالم الواقع ، لقد كانت الحرية عنده هي إفساح المجال للإنسان أن يحقق إنسانيته وان يثبت وجوده ، أن يعمل ويعطي ويبدع ويأخذ مكانه المناسب بعمله وعطائه وإبداعه ، إنها حرية التنافس في مجال العطاء ، إنها ليست حرية الاستغلال ، ولا حرية التسلط ، ولا حرية سلب الناس حقوقهم .
إن هناك فرقاً كبيراً بين الفوضى والحرية ، وان حرية صاحب العمل تبدأ عندما تنتهي حرية العامل ، وحرية العامل تبدأ عندما تنتهي حرية صاحب العمل (12 ديسمبر 1953 ) .
لقد كان للحرية ضوابطها عنده ، وضوابطها أن لا تسيء إلى الغير ، وألا تتعارض مع حريات الآخرين ، وأن تكون في خدمة المجتمع ، لأن كل تقدم يحرزه الفرد هو تقدم للمجتمع ، والفرد في نظر القائد قيمة ، لذلك كان الفرد غاية بحد ذاته .
*
لقد كان المقدر للعمال والفلاحين والمثقفين أن يقوموا هم أنفسهم بوضع حد للاستغلال والاضطهاد اللذين يحيقان بهم من قبل الإقطاعية والبرجوازية المتسلطتين عليهم من خلال الحكم ، ومن خلال النفوذ الاقتصادي .. بل إن أغلب المثقفين من أبناء الشعب الكادح خانوا طبقتهم حين انحازوا إلى الاستغلال الحاكم وباركوا الاضطهاد والقهر، وانضووا تحت لواء الحاكمين والمتسلطين ، ومارسوا عمليات القهر معهم تعبيراً عن الشعور بالنقص وبعدهم عن قضايا الشعب ومصالحه …
إلا أن الثورة وضعت حداً مناسبا لهذه الظواهر المأساوية التي كانت ترين على الشعب وتمسك بخناقه وتسلبه كرامته وإنسانيته حين أعلنت بأنه لا حرية إلا بعد رفع الاستغلال عن الشعب ، ولا حرية والمستغلون قادرون على كبت الحرية ، وهل وسائل كبت الحرية إلا النفوذ والثروة … من هنا جاء دور الثورة في تقليم أظافر الإقطاع والبرجوازية : ( إذا كنا نريد حرية أكيدة ،فيجب أن نتحرر من الاستغلال ، نتحرر من استغلال رب العمل والإقطاع … 1954 ) .
لقد كان عبد الناصر يعرف بأصالته وصفائه إن الحرية لا تمنح منحاً ، وإلا أصبحت عالة على أصحابها لأنه لابد لهم من أن يستهتروا بها ، ويفرطوا فيها ، ويتنازلوا عنها في أول امتحان يتعرضون له . لأن ما يأتي بسهولة يذهب بسهولة ، لذلك حرص أول ما حرص على وضع مبدأ تكافؤ الفرص موضع التنفيذ ، فأفسح المجال لأبناء العمال والفلاحين والمواطنين جميعاً أن يدخلوا الجامعات ويتلقوا العلم بالمجان ، كما فتح أبواب الكليات العسكرية للجميع بعد إن كانت وقفاً على أبناء الذوات وبرسوم باهظة ..
ومن خلال مبدأ تكافؤ الفرص هذا برزت امكانات المواطنين ، وتنافست المواهب ، ومن خلال الممارسة أخذ كل إنسان مكانه الصحيح في بناء المجتمع .
لقد كان القائد – رحمه الله – من خلال هذا المبدأ ينشد تغيير بنية المجتمع ، فلا أناس للثراء ولا أناس للفقر ، وإنما الحياة ميدان صراع وسباق ، فالأكثر كفاءة يثبت وجوده ويأخذ مكانه المؤهل له …
وبعد إن كانت الدولة سبيلاً لسلب المواطن حريته بما تعطي لنفسها من حقوق على حساب حقوق المواطنين الطبيعية ، أصبحت الدولة سبيلاً لتأكيد الحرية وحمايتها ورعايتها وتطويرها .
انه من خلال حرصه على الحرية وإيمانه الكبير بها أرسى دعائم الاشتراكية ، لأن الإنسان هو موضوع الحرية والاشتراكية معاً ، وبذلك كانت الاشتراكية عنده هي ( الاشتراكية الديمقراطية ) .
لم تكن الثورة سيفاً مسلطاً على الشعب ، وإنما كانت الثورة سيفاً مسلطاً على كل ما يعيق تقدم الشعب وسيادة الشعب ، ولم تكن الثورة قوة مضادة للشعب ، وإنما كانت قوة تسير معه وبه ومن أجله .
*
قل أن تجد حاكما إلا ويضيق صدره من النقد إلا عبد الناصر، فقد أحترم النقد والناقدين، وشجع عليه، لأنه كان يرى أن النقد ليس موجها للنظام، وإنما هو موجه إلى الخطأ الذي ارتكبه النظام، وللتصرفات التي أساءت إلى الإنسان وأعاقت مسيرة الثورة ..
انه لم يعط العصمة لنفسه، فكم مرة وقف أمام الشعب ناقدا نفسه وخطواته، لا لكي يقوم بعمل آلي مزاود أمامهم، وإنما لكي يعلمهم أن العصمة لله تعالى وحده ، وان كل فرد مطالب أن يقف أمام محكمة النقد كما يقف هو، وأن يصحح كما يصحح، وأن الحكم الذي يصم أذنيه عن نقد الشعب يفقد أهم مقومات بنائه.
( لقد وقعنا ضحية وهم خطير قادتنا إليه ثقة متزايدة بالنفس وبالغير. لقد كنا دائما نرفض المصالحة مع الاستعمار ، ولكنا وقعنا في خطأ المصالحة مع الرجعية. لقد تصورنا انه مهما كان من خلاف بيننا وبين العناصر الرجعية فإنهم أبناء نفس الوطن وشركاء نفس المصير، ولكن التجربة أثبتت لنا خطأ ما كنا نتوهمه.. أكتوبر 1961) وهو نفسه الني هاجم العناصر المضادة للثورة والاشتراكية داخل الاتحاد الاشتراكي العربي في مناسبات أخرى .
وكان يرى في النقد ممارسة للحرية، وان النقد لا وزن له حين لا يملك الناقدون القدرة على التصحيح ، من هنا جاءت.. مطالبته بتسليم الشعب مقاليد أموره ودعوته إلى الممارسة والمعاناة . ولا بأس من الخطأ على أن تتعلم منه.. وكان يؤكد على أن قوة الفرد ليست في ما يملك من طاقات شخصية، وإنما بما يضعه من طاقات في بناء المجتمع شعورا منه بالمسؤولية ، لان المسئول هو القادر، والقادر هو الحر، والا كانت هذه القدرة سلبا لحقوق الغير ومرحلة عابرة في حياة الفرد لا تعبر عن مسؤولية أي لا تعبر عن حرية...
وكان يؤكد على أن الحرية لا تقوم على القسر وإنما تقوم على الإقناع ، وان كان القسر تعطيلا لطاقات الجماهير وقتلا لإنسانية الإنسان.. ، والتجارب التي لا تخضع للتصحيح هي أليفة المجتمعات الجامدة العقيمة التي لا تتجاوز في مسيرتها خطوات البداية لأنها وقفت في مكانها لا تتطور...
لقد فهم الحرية على أنها رفع مستوى الشعب إلى مستوى المسؤولية والممارسة، لان المسؤولية والممارسة هما أقصى حالات الوعي والثورية ، لذلك اتجه إلى الشعب ينقل إليه أسرار الدولة داخلياً ويشرح له مواقفه العربية والدولية ، ويدفع الجماهير إلى حمل مسؤولياتهم معه ، وكم مرة اتخذ من المهرجانات الشعبية سبيلاً للاستفتاء على مواقفه .
(إن الديمقراطية السليمة تتكون من عنصرين : تحرر وممارسة ، وان غايتها إن تنقل سلطة الدولة إلى السلطة الشعبية - الميثاق).
لقد كان يعلم بأنه من الخطورة بمكان أن يسلم الشعب مقاليد أموره دفعة واحدة وهو على ما هو عليه من التخلف والرواسب ، حيث يقع في مهاوي تجارب الخطأ والصواب ، ولا يجوز أن يكون مجتمعنا حقلا للتجارب، لذلك أولى عنايته الفائقة بالمواطن الفرد، وفتح أمامه أبواب التقدم على مصراعيه، لان قناعته الأساسية التي طالما عبر عنها أن الفرد الحر هو الطريق إلى مجتمع الأحرار، ولا مواطن حر إلا من خلال الثقافة والوعي والمسؤولية والممارسة..
لقد أصبح لقطيع الغنم في مصر أيام الملكية لسان يتكلم بغير الثغاء في عهد الثورة ، وأنياب تنهش حين تمس كرامتها، وأظافر تمزق من يعيق تقدمها أو يسلب حقوقها.
وميزته الكبرى في هذا المجال أنه لم يؤكد حقوق المواطن فحسب ، وإنما انتبه إلى واجباته، وكان تأكيده على الواجبات ملموسا في كل خطبه و أحاديثه ولقاءاته مع الشعب ، وكان يطالب المواطنين بالتطور الدائم مع الثورة ومن خلالها .
لم يكن الأمر سهلا وميسورا أمام عبد الناصر، ذلك أنه كان مطالبا بأن يمحو تراكمات القرون في سنين قليلة …
إن جميع أدبيات وحكم وأمثال الشعب، وتقاليده بأسرها، تؤكد على الرضوخ والاستسلام والعبودية، إنها كلها تؤكد على سلب الشعب حقوقه، وكان سطوة إلاقطاع والرأسمالية حق الهي منحته السماء لهؤلاء الجناة…
ليس سهلاً أن يقنع الشعب بالجديد ذلك لأنه مغاير لقناعات الفرد المتوارثة والرواسب المتأصلة في النفوس ، إلا أن هذا الجديد الذي قلب الموازين وغير المعادلات جاء حين:
أدخل العمال في إدارة المعامل لكي يكونوا سادة على أنفسهم.
وأدخل الفلاحين في دورة الإنتاج الزراعي سادة أيضا.
وأدخل المثقفين في دورة العلم سادة أيضا .
وادخل المؤهلين من المواطنين في قيادة الحياة السياسية سادة أيضا .
وفجر الامكانات الكامنة في المجتمع ، فبرز أفراد في الجيش طاقات هائلة ، وبرزت في الفكر امكانات وامكانات ، وكذلك في السياسة وفي كل ميدان ..
من ذا الذي ينسى كيف أنه جمع اللصوص و (النشترية) وعلمهم قيادة السيارات وسلمهم سيارات يعملون عليها، وعلمهم الصناعات اليدوية يعيشون منهـا، وأدخلهم المعامل ليسهموا في الإنتاج، وأدخل أغلبهم دور العلم ليقضوا على أميتهم ويكونوا مؤهلين للعطاء وفوا كفاءآتهم ..
*
لان الحرية كانت أسمى مثله وأنبلها فقد سمى الديمقراطية بـ (الحرية السياسية) وسمى الاشتراكية بـ ( الحرية الاجتماعية) وكأن الحرية هي كل مطالب المجتمع الجديد..
فالتحرر من (الاستعمار يدخل في نطاق الحرية السياسية.
وممارسة العقوق السياسية في البلاد من انتخاب وترشيح وأمور الدولة كافة يدخل في نطاق الحرية السياسية..
والتحرر من ربقة الاستغلال والاستثمار والطبقية يدخل في نطاق الحرية الاجتماعية .
وإقامة مجتمع الكفاية والعدل يدخل في نطاق الحرية الاجتماعية .
وكان كل هدف للشعب يدخل في نطاق الحرية وما يتفرع عنها.
لقد كان القائد يعرف جيدا بأن سقوط الإقطاع لا يعني تحرير الفلاحين، وسقوط رأس المال لا يعني تعرير العمال وإنما يعني الخطوة الأولى في طريق التحرير، وإننا إن لم نبادر إلى دعمها بالمواطن الحر القادر، وبالمجتمع الحر الخالي من آثار الماضي ورواسبه ومرتكزاته وعقده ، عاد الإقطاع وعاد رأس المال.. إن حق التصويت فقد قيمته حين فقد اتصاله المؤكد بالحق في لقمة العيش. إن حرية التصويت من غير لقمة العيش وضمانها، فقدت كل قيمة وأصبحت خديعة مضللة للشعب- الميثاق).
لقد كان القائد يعرف أن ديمقراطية الماضي هي ديمقراطية الأغنياء ، وما كانت نتائج هذه الديمقراطية إلا لصالحهم ، لذلك مارسوها كما يريدون وقضوا على الحرية باسم الحرية، وليس من يجهل أن بعضا من الحرية الحقيقية للشعب كان يفزعهم ويضطرهم إلى التزوير والعبث، خيفة أن تهتز مواقعهم، وتضعف مراكزهم ، ويسلبوا بعض ما يملكون.
لذلك كانت الديمقراطية عند عبد الناصر هي ديمقراطية الشعب، وما كان الشعب في نظره إلا الفئات المسحوقة المقهورة، فئة الكادحين المضطهدين... (.. كل الحرية وكل الديمقراطية للشعب، ولا حرية ولا ديمقراطية لأعداء الشعب 25 نوفمبر 1961).
لقد صقل المجتمع وغير بنيته- إلى حد بعيد- حين طرح شعار (من لا يعمل لا يأكل) ودفع بإقطاعيي ورأسماليي الأمس القريب إلى العمل ليأكلوا، لان هؤلاء الإقطاعيين والرأسماليين كانوا يعيشون من عمل الغير، واسترخوا على الكسل وإصدار الأوامر، لان القوانين كانت بجانبهم، وكان كل شيء لهم، ولم يكن للآخرين من حق إلا بالشكل الذي يريدون ولمن يريدون...
*
لقد كانت قناعته الأساسية هي أن الأيمان بالشعب هو الأيمان بالحرية لان الشعب هو مادة الحرية وهدفها، ولا حرية إلا في مشاركة الجماهير وفي جو ديمقراطي سليم.
ولا ديمقراطية إلا إذا أسهم الشعب في دراسة مشكلاته الاجتماعية والسياسية، وأسهم في وضع الحلول، وكان قادرا على تنفيذها.
ولا ديمقراطية حين تكون المسافة كبيرة بين الحكم والشعب، أو حين تكون المسافة كبيرة بين شكوى الشعب وقدرته على التخلص مما يشكو منه.. بل لا ديمقراطية حين تستعصي مشاكل الشعب على الحل .
وكان يرى القائد في شكوى الجماهـير الناقوس الذي يقرع مشيرا إلى تقصير السلطة وهروب الديموقراطية..
ولكي يكون الرئيس الراحل على بينة من واقع الجماهير فتح باب الشكاوى على مصراعيه، وأعد لها مكتبا خاصا بها، وكانت هذه الشكاوى طريقه إلى فهم قضايا الجماهير ومطالبها الملحة وطريقه إلى وضع الحلول لها ، وغالبا كان يضع هذه الحلول وهو يخطب بينهم ، ولكم كان يتخذ من مناسبات اللقاء بهم سبيلا لتشجيعهم على محاسبة المقصرين ..
*
وكان الانفتاح على الحياة، والثقة بقدرات الشعب على تغيير الواقع وصنع التاريخ، و اعتبار المناضلين مسؤولين عن حاضرهم ومستقبلهم من الظواهر الأساسية في الأيمان بالحرية .

لقد تحرر المناضلون من عقدة الماضي ، وحين كان يهرب المناضلون من الحاضر إلى الماضي يتغنون به ، ويشيرون إلى مآثره ، تعبيرا عن فراغ حاضرهم ، كان القائد يرى في الماضي، معينا. ثرا يأخذ منه ما يزيد من قدرات النضال...
لم يكن هذا الماضي عبئاً يشد المناضلين إلى الوراء، ويثقل مسيرتهم ، وإنما كان الحافز لهم للسير. إلى أمام بعزم أشد وإيمان أقوى ، وطاقات أكثر مضاء.
لقد كان القائد يؤكد على أهمية الماضي ، وأهمية التراث ، لكي يؤكد على روح الأمة الواحدة ، فلم يجمد أمام الماضي، ولم يتنكر له ، وإنما أشار إليه بالذهـن المنفتح المتقدم الأصيل، واستفاد من تجارب المناضلين فيه ، ونبذ الأخطاء التي وقع فيه السابقون ، وكان يحاسب نفسه علي مواقفه وسلوكه كما كان يحاسب السابقين أنفسهم ، فلم يعط نفسه ما حرمه على الآخرين، ولم يخلد إلى الراحة حين كان يجهد سواه ، وإنما رأيناه يبذل من الجهد إضعاف ما يبذلون ، وينقد نفسه قبل نقده للغير ، ويطور نفسه من خلال النقد .
لم يكن الماضي بنظره مستعمرا للحاضر ، وإنما جعل من الحاضر امتدادا للماضي، وطريقا إلى المستقبل الذي نمارس حريتنا في تحديد معالمه ، واعتبر الجيل قادراً على فرض نفسه في حياته وحياة مجتمعه .
وأن الحياة ليست هي (القسمة والنصيب) كما يزعمون، وإنما هي محصلة نشاطنا وعطائنا، فان لم نلونها بلون نشاطنا، فرض علينا لون لا نريده وموقع لا نريده وحاضر يناقض مشيئتنا، ومستقبل لا رأي لنا فيه...
*
وكان عبد الناصر في كامل إجراءاته ومواقفه ونداءاته يتجه إلى الأكثرية الساحقة من أبناء المجتمع ، يعتبر الثورة ثورتهم، وهو حين يدعوهم إلى السيادة والكرامة كان يسعى لتحريرهم من ربقة القرون خطوة أولى في طريق حملهم مسؤولياتهم، لان الأرضية الصالحة لممارسة الحرية هي في إزاحة العقبات من أمامهم (.. لان المجتمع لا يمكن أن يكون سعيداً إذا كانت أقليته تشعر بالسعادة وأغلبيته تشعر بعبء الحياة وصعوبة الحياة . آب 1959) .
( …لا حرية حقيقية ولا ديمقراطية حقيقية إلا بالقضاء على الإقطاع والأخطاء والاستغلال وسيطرة رأس المال- عيد الثورة التاسع 1961)
وكان يؤكد بأن الحرية لا تنفصل عن مضمونها الاجتماعي كهدف وأداة..
أداة ا لحرية هم أصحاب المصلحة الحقيقية بالحرية، إنهم قوى الشعب العامل ، القوى المنتجة في المجتمع .
وهدف الحرية بناء المجتمع بناء سليما خاليا من شوائب الاستغلال والاضطهاد والفوقية، أي أن تكون هذه الحرية نزوع وإرادة ومصلحة الغالبية الساحقة من المواطنين، لان الحكم الشعبي ليس بمؤسسات الديمقراطية وحدها وإنما حين يكون هذا الحكم ممثلا لقناعات وارادات ومصالح أوسع الجماهير..
*
لقد قنع عبد الناصر بأن الإنسان هو الإنسان في كل مكان ، وأن نضال الشعوب من أجل الحرية هو نضال متكامل، هدفه الإنسان ووسيلته الإنسان...
وقنع أيضا بأن تجارب الشعوب لا تستورد، ولكنها لا تهمل، لأنه ليس من صيغة مثلي تؤخذ كاملة، وليس من صيغة من هذه التجارب يمكن إهمالها لأنها جميعا تقدم تجارب الإنسان، لذلك انفتح على تجارب العالم كلها ، تماما كما انفتح في الداخل على ملاحظات المواطنين ونقدهم.
لقد رفض التجربة الغربية للديمقراطية ولكنه لم يأخذ بكامل التجربة الشرقية ، وانصرف إلى الجديد، فطعم التجربة بإبداعه، وأصبح ما أبدعه في تجربة الديمقراطية نبراسا للكثير من تجارب الشعوب.
لقد كان يعرف أن شعبه لم يأخذ قسطه من الوعي ، وان سبيل الوعي هو الثقافة والممارسة لذلك فتح المدارس والمعاهد والجامعات والكليات العسكرية للجميع .
ودفع الشعب إلى الممارسة من خلال النقابات والمنظمات والاتحادات ، وفتح مجلس الشعب على العمال والفلاحين ليعطيهم نصف المقاعد لكي يكونوا السلطة التشريعية فعلاً ، يسمعون ويناقشون ، ومن خلال ممارسات المجلس تنمو معارفهم وتبرز مؤهلاتهم .
*
إن رفض الظلم في مصر استتبع رفضه في كل بلاد العرب، وهذا استتبع رفضه في كل مكان .
ومن خلال هذه القناعة انطلقت الثورة إلى الانحياز لحركات التحرر في العالم تأخذ منها وتعطيها.. لان من يرفض الظلم في بلاده لا بد له من أن يرفضه في كل مكان، والإيمان بالحرية إيمان مطلق لا حدود له ولا شروط له ، وكما كان قدرا على ثورة يوليو أن تكون ضد الاستعمار والاستغلال في بلادها وفي الوطن العربي، فقد كان قدرا عليها أن تكون ضد الاستعمار في كل مكان، وضد الاستغلال في كل مكان، ومع الأحرار في كل مكان .
وإذا انحاز عبد الناصر إلى المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفياتي، فذلك لأنها المنظومة التي تشاركه في التصدي للاستعمار قديمة وحديثه. ولان عدو هذه المنظومة هو عدو ثورة يوليو وعدو الشعوب في العالم ، ومن خلال التفاعل مع المنظومة الاشتراكية رأى أن المصالح القومية لا تتعارض مع المصالح الأممية وإنما تتكامل معها، ذلك لأنها تصب. جميعا في مصب واحد هو القضاء على الإخطبوط الذي يعيق التحرر والتقدم .
فالاستعمار قديمة وحديثه مع العنصرية والعبودية، مع الاستغلال والقهر، لذلك كانت ثورة يوليو (عبد الناصر) أعنف ثورات العالم وأكثرها جرأة في با ندونغ وبريونى في التصدي للإمبريالية والاستعمار و الصهيونية..
والثوريون العرب هم الذين أحبوا شعبهم العربي وأخلصوا له ، وتخلصوا من عقدة التعصب والتفوق، لكي يكونوا للقضية القومية والإنسانية معا ، فلا تعصب إلا للحرية، ولا تفوق إلا في مجال العطاء للأمة والإنسانية..
*
إن الشعب الكادح هو مادة الديموقراطية وهدفها، لقد أولاه الرئيس الراحل الكثير من العناية والاهتمام، لذلك نرى أن نقف على أرائه في هذا الشعب ، لان هذه الآراء فكر متكامل يعطي صورة واضحة للديمقراطية.
ولقد كان يدعو الشعب بـ (الإخوة) (أيها الإخوة المواطنون) وتعبير الإخوة فيه من الحب والوفاء أكثر مما لدى أية كلمة …
ما أقوى عبد الناصر حين خاطب ممثلي المحافظات عام 1954 :
(يا إخواني : يجب إن يشعر كل فرد بأن عزة المواطن الآخر تتمثل في عزته، وبأن كرامته جزء من كرامة أخيه ، لان كرامتكم جزء من كرامتي ، وعزتكم جزء من عزتي، وبهـذا يا أخواني إذا دافعتم عن عزة الآخرين وكرامتهم وحريتهم فإنما تدافعون عن عزتكم وكرامتكم)..
وكان يعرف أن العمل مع الشعب هو الموقف الكبير والصعب، لان الشعب تعرض للتآمر والعبث: (ما من شعب تراكمت عليه آثار الماضي وتبعاته ، بل وعقده النفسية مثل شعبنا ، ما من شعب تآمر عليه المحتلون الغرباء ومشوا بالجبروت والطغيان عليه مثل شعبنا ) .
(إذا قلنا أن فترة الانتقال قد انتهت، فإننا نعني أنكم جميعا قد أصبحتم مجلس الثورة لا عشرة منكم فقط ، إن الشعب حينما تنتهي فترة الانتقال، يصبح هو مجلس الثورة، هذا هو معنى الديمقراطية، وهذا هو معنى الحرية، وهذا هو معنى البرلمان).
وكان يقول عن الشعب : انه (الشعب المعلم) (المعلم الأكبر) ( صانع الحضارة) (صانع التاريخ).
وكان يقول عن الشعب أيضا انه : ( لم يستكن ، لم يستسلم، لا يخاف ، حارب ، تصدى ، تحمل، فجّر، قهر، بنى ، تفانى، كافح ، جاهد ، ناضل ، أعطى...).
والشعب الذي يشير إليه هو الشعب الذي قال عنه في الميثاق ( إن شعبنا شعب عربي، ومصيره مرتبط بوحدة مصير الأمة العربية ).

الوحدوي الاشتراكي العدد 97 - 1 نيسان 1980