|
بقلم الأخ فائز اسماعيل الوحدة هي الشعار الأول الذي التزم به حزبنا وجعله في مقدمة أهدافه، لا بل هدفه الوحيد، إيمانا منه بأنه السبيل إلى كامل أهدافنا القومية الاشتراكية . فالوحدة في نظر حزبنا الوحدوي الاشتراكي تقود إلى الاشتراكية والحرية والديمقراطية ولا عكس، لأنه لا يمكن للاشتراكية أو الحرية أن تأخذا أبعادهما الصحيحة إلا في ظل دولة الوحدة ، لقد ثبت هذا بكثير من الأمثلة في بلادنا وبلاد غيرنا . الوحدة العربية الاشتراكية، ولا يمكن لها إلا أن تكون كذلك ، والوحدة العربية والاشتراكية قضية واحدة لا قضيتين منفصلتين ولا قضيتين متلازمتين ، إذ لا يمكن فصل أحداهما عن الأخرى ، وحين يلجأ الباحثون إلى فصلهما واعتبار احداهما صفة للأخرى يعبرون عن فهم مشوه للقضية الواحدة . لا وحدة بدون اشتراكية، لان وحدتنا حين لا تأخذ الوجه الاشتراكي ، تصبح وحدة فوقية لا جذور لها في الأرض العربية، ولا رابطة بينها وبين الشعب ، لذلك لا بد لها من أن تصبح تآمرا جديدا على الشعب ينتهي بمسرحيات الحكام العرب المعروفة ضد الشعب العربي طيلة نصف قرن كامل. لا اشتراكية بدون الوحدة ، ذلك إن كل الإجراءات الاشتراكية في أقطار الوطن العربي لا تشير إلى الاشتراكية أكثر مما تشير إلى الإصلاح وحب العدالة الاجتماعية ، لأن هذه المحاولات عاجزة عن إعطاء الاشتراكية مضامينها الصحيحة ، وشتان بين ما تحققه الوحدة للاشتراكية وبين ما تحققه التجزئة لها . إن جماهير الوحدة العربية هي نفسها الجماهير التي تناضل من أجل الاشتراكية . لقد ثبت لنا ولكل مطلع على نضال شعبنا وتضحياته في كافة أرجاء وطننا العربي . إن الذي يلهب نضالنا القطري ويبرز بطولات هذا الشعب بهذا الشكل الرائع ليس التحرر من الاستعمار فحسب ، وإنما كان الصبوة إلى الوحدة العربية ، الأمل بقيام الدولة العربية الواحدة التي تدفع عن الشعب الأذى وتنقذه من التخلف والتجزئة والهوان .. وثبت أيضاً أن التحرر القطري لا يعني القدرة على ممارسة السيادة في القطر ، حتى ولو كان الحكم تقدمياً !.. لأن السيادة تبقى ناقصة ومهددة على مستوى القطر ، ولأن الشعب لا يمكن له أن يقنع بالسيادة مع التجزئة ، فهو وحدوي بحكم منبته وانتمائه ، إيماناً منه بأن التحرر القطري خطوة طبيعية في طريق الوحدة .. من الجهل أن نركن لتشويه قضيتنا حين يطرح المغرضون بأن وحدتنا العربية تقليد للوحدات القومية التي حققتها بعض دول الغرب ، إننا ندحض هذا الرأي الرائج بملاحظتين هامتين : أولا: انه ليس للمصالح البرجوازية والإقطاعية اثر في قيام هذه الوحدة . ثانيا- إن هذه الوحدة تجيء مع نضال الجماهير العربية الكادحة ، واختمار الشعب ضمن منظماته، وعبر الكثير من المواقف والتضحيات من القوى الكادحة المنتجة صاحبة المصلحة فيها ، وفي مرحلة لابد منها من المعارك الضارية في الداخل والخارج ، فالإمبريالية بكل امكاناتها ضدها لأنها ليست تهـديدا لامتيازاتها ونفوذها في المنطقة العربية فحسب وإنما التهديد لها في كل مكان . * إن مجرد انتسابنا إلى أمة عربية واحدة ، إن هـذا الانتساب وحده يتطلب منا الحرص على هذه الأمة ، والوفاء لها ، والدفاع عنها ، والنضال والتضحية من أجلها ، لاسيما وأنها تخوض أقسى معاركها ، وتجابه أعتى أعدائها في الداخل والخارج . إن هذا الانتساب يتطلب منا أن نضع هذه الأمة الواحدة في مكانها الطبيعي وهو الدولة السياسية الواحدة . في قيام دولة العرب الاشتراكية الديموقراطية ، نكتشف أنفسنا كأفراد ، ونكتشف طاقاتنا كأمة كان لها في التاريخ وجودها الحضاري وطاقات الخلق والإبداع ، ونفتح عيوننا على قدراتنا الهائلة التي لا حدود لها، لأننا بها وحدها ندخل التاريخ الحضاري من جديد، وبواسطتها تنمو علاقات اجتماعية جديدة، حيث تتغير بنية المجتمع العربي ، وتقوم في هذا المجتمع قيم أخلاقية جديدة ، وروح عربية جديدة ، ومواطنون جدد بنفسيتهـم وعقليتهم وامكاناتهم وتطلعاتهم !.. إن هذه الوحدة تقوم باسم الشعب وجماهيره الكادحة المناضلة ، لذلك ،فهي منذ خطواتها الأولى وحدة شعبية ديمقراطية تقدمية ، وهي لكونها شعبية ديمقراطية تقدمية، فهي عدو طبيعي للرجعية العربية التي تتحصن بالحدود التي فرضها الاستعمار علينا، لتعزل الشعب العربي عن اللقاء والوحدة . إن تحطيم قلاع الظلم والقهر و العبودية والاستغلال و الاستعمار والإمبريالية وضمان الخبز والمسكن والكساء و الصحة و العلم ، والأمن والحرية والكرامة والديمقراطية وقيام الوحدة الاشتراكية . إن كل هذا لا يتحقق لا بانتزاعه من غاصبيه وبقوة الشعب ، أي إن النضال والثورة طريقنا إلى الوحدة (ثورة العرب في التاريخ) . ومن الجهل أيضا أن نركن إلى قول القائلين بأن الوحدة العربية هي ردة فعل على التجزئة والمساوىء... فالوحدة العربية هي عودة العرب إلى ذاتهم إلى حقيقتهم كاملة. إنهم حين يتطلعون إلى وحدة أقطارهم الممزقة وأبنائهم المتباعدين ، ليكون هؤلاء الأبناء سادة في أرضهم ، لا يكون ذلك ردة فعل على شيء ، لان وجود الأمة والوحدة كان سابقا على التجزئة ، وان ما ندعو إلى إزالته ، من نفوذ أجنبي وعمالة ، إنما هو الطاريء الدخيل ، ونحن ندعو للعودة إلى الأصل لكي نبني كياننا القومي الاشتراكي ونسهم في صنع التقدم الإنساني . مهما كانت الهزائم التي منيت بها التجارب الوحدوية مريرة وقاسية ومفجعة ، فهي علامات مضيئة في مسيرة الأمة العربية لأنها تبقي الطريق مفتوحا أمام المناضلين من اجل استمرار النضال من أجل الوحدة إلى أن ينتصروا أخيرا ، وتعطيهم دروسا جدية من تجاربها ، وكلما استطاع المناضلون أن يضموا إلى صفوفهم عددا أكبر من الجماهير العربية ساروا شوطا جديدا في مسار الوحدة إلى أن يصبح كل المناضلين جنودا للوحدة . لا عبرة في نضالنا القومي الاشتراكي للاخفاق ، فجميع أمم الأرض أخفقت مرات ، وانتكست مرات ، قبل أن تحقق وحدتها ، لان من بديهيات هذا النضال الكبير أن يتعرض لتجارب الخطأ ، وان يمنى بالفشل مرات ، إلى أن تنتصر الشعوب أخيرا. المأساة المفجعة في نضال الوحدة حين يتطرق اليأس إلى قلوب المناضلين العرب ، فيحجمون عن حمل رسالتهم القومية حين يفشلون ، و هذا لا يعني مطلقا توقف النضال الوحدوي ، وإنما يعني أول ما يعنيه أن مناضلين جددا سوف يحملون راية النضال الوحدوي بدلا عن هؤلاء اليائسين الذين لم يلقوا من التاريخ النضالي إلا الازدراء والإهمال . لقد بقيت الرجعية العربية و العمالة زمنا طويلا في سدة الحكم- ولا تزال موجودة في أغلب أرجاء الوطن العربي ترتدي الثوب المزيف للوطنية والتقدمية والشكل المشوه للديموقراطية، وتعادي الشعب وأسباب تقدمه بكل الوسائل الممكنة والغير ممكنة ، ولو كان ذلك بالتعاون مع الاستعمار ليكون ظهيرا لها في معاركها ضد الشعب العربي الكادح وطلائعه الثورية ذلك لان هؤلاء الحكام كانوا غرباء عن الوطن والأمة، وكانوا يمثلون الإقطاع ورأس المال والعمالة ويمارسون ألوانا من التحكم بالشعب ، والسلب لجهده وكرامته وحريته ، وبالمقابل فقد كان الشعب يشعر بالغربة في وطنه لأنه لا المنزل له ولا الأرض له، ولا السلطة له ، وليس له شيء في بلده . وكان الاستغلال والاستثمار سنة المجتمع آنذاك ، فالمآسي الاجتماعية هي الظاهرة المألوفة في كل مكان، وكانت ترتفع صيحات الشعب في كل مكان مطالبة بالأجر العادل و إلغاء التسريح التعسفي، ومنع تهجير الفلاحين من أراضيهم ومكافحة البطالة والتشرد والتسول ، والتصدي الصادق للقضاء على الاحتكارات والمضاربات ، والدعوة الصادقة إلى سيادة القانون وإقامة العدل وضمان إنسانية الإنسان . وبقي المجتمع العربي في فوضى دائمة ، يسوده القلق والاضطراب والذعر تعبث فيه أدواء الفقر والمرض والجهل والفساد والتخلف والتمزق. وبقي الاقتصاد العربي متخلفا يسير نحو الانهيار والخراب ، لأنه ليس قائماً على التخطيط والعلم ومشاريع التنمية ، الجدية ، ولم يتطلع يوماً إلى التكامل على المستوى القومي، وإنما كان في خدمة الإقليمية القطرية الجشعة وعلى حساب الأكثرية الساحقة المسحوقة، وهو نفسه ينافس بعضه في الصناعات البسيطة نفسها عازفا عن التصنيع الثقيل، لأنه في عجلة من أمره من أجل الثراء . وبقيت السياسة العربية تسير نحو الفوضى والتبعية لان العملاء ينفذون مشيئة المستعمرين وعلى حساب الشعب ، فيمنحونهم الامتيازات والمكاسب ومناطق النفوذ... لامشاحة أنه لا تزال البرجوازية الصغيرة حتى يومنا هذا- وفي أغلب أرجاء الوطن العربي وبعد تخلص هذه الأقطار من الرجعية العربية العريقة - لا تزال هذه البرجوازية هي التي تقود النضال الوحدوي الاشتراكي ، وهذه ظاهرة ضعف ومرض ، تشير إلى أن الكادحين العرب لا يزالون بعيدين عن قضيتهم ، لا يعطون مسؤولياتهم الكاملة من أجلها، ولم يرتفعوا بالوعي والثقافة إلى الوحدة وان ارتفعوا إليها بالعاطفة والشعور… والبرجوازية الصغيرة ، إذا كانت أكثرا خلاصا للوحدة وصدقا مع الكادحين فهي لا تمثل لوحدها حزب الثورة العربية ، ولا يمكن لها أن تكون لوحدها قيادتهـا فكيف إذا كانت هي القيادة والقاعدة معا... ولا يمكن لها أن تقود هذا النضال لوحدها لأنها ليست صاحبة المصلحة الأساسية والوحيدة للوحدة الاشتراكية، ولا مبرر لها- مهما كان عطاؤها- أن لا تحشد طاقات الكادحين من أجل أهدافهم القومية الاشتراكية، وأن تخرج من هؤلاء الكادحين القيادات الثورية... * إن عمليات التغيير التي طرأت على أجزاء من الوطن العربي ، وحولته من الحكم الفردي والعائلي والعشائري إلى حكم المعارضة باسم الديموقراطية والاشتراكية والوحدة . إن هذه العمليات لم تكن مبتورة الجذور بالماضي، لقد قضى من اجلها كثيرون، وقضت معها حركات سياسية لا حصر لها... إن مواقف المناضلين العرب في تلك الظروف القاسية المظلمة، وانتصاراتهم الجريئة على الطغيان ، كانت إرهاصات ثورية تعبر عن الطاقات الهائلة لدى شعبنا العظيم ، وهي التي عبدت الطريق للعناصر الشعبية الجديدة أن تستلم مقاليد الأمور في أقطار عديدة من وطننا العربي . لقد حققت العديد من الدول العربية حريتها السياسية في الداخل وانفصلت من عجلة الاستعمار سياسيا إلا أنها بقيت تنهج نفس سلوكه السابق وبقي الشعب مقيدا متخلفا عاجزاً ، سر كل هذا أن البلاد، لم تتحرر اقتصاديا من مداخلاته وعملائه، إذ لا تزال أصابع الاستعمار تدير الكثير من مؤسساتها فتسلب خيراتها وتمنع انطلاقتها، وبقي الشعب كما كان من قبل هو موضوع الاستغلال والقهر والاضطهاد. لذلك نقرر أنه لا وزن للتحرر السياسي المسمى بالاستقلال إن لم يدعم بالتحرر الاقتصادي ، أي أن التحرر من عجلة الاستعمار، وعجلة الرأسمالية العالمية ، والتحرر من عجلة الرأسمالية الوطنية ممثلة بالحاكمين المستغلين والمستفيدين من الحكم ليكون الشعب سيد نفسه سياسياً واقتصاديا، ولا يتحقق هذا إلا باستلامه مقاليد أموره !.. وان النضال من أجل الوحدة لا ينفصل عن النضال ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية . وأن النضال ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية لا ينفصل عن النضال ضد الرجعية العربية ممثلة بالإقطاع والرأسمالية والعمالة !.. * فالتجزئة هي التي رسخت التخلف في بلادنا ، وكانت المناخ الطبيعي لكل أدوائنا الاجتماعية، والباب العريض الذي دخل منه الاستعمار إلى بلادنا، وأفسح المجال للرجعية أن تأخذ حريتها بالسلب والتخريب والتخلف .. إن بقاء التجزئة ، واستمرار نفوذ الاستعمار ، ونجاحه في العديد من بلاد العرب ، كل هذا بسبب غياب الشعب، مما أدى إلى ضعف الأمة وعجزها عن التصدي له لإحباط مؤامراته الكبرى بتمزيق الشعب الواحد إلى شعوب ، والوطن الواحد إلى أوطان ، ووضع الحكام العرب حراساً على الحدود لمنع الشعب الواحد من لقائه مع بعضه . إن وجود الحاكمين في كل قطر عربي معوق في إقامة الوحدة لا يقل عن إعاقة الاستعمار لها ، ذلك لأن التجزئة تضمن مصالحهم الشخصية ، مما يدفع أغلبهم للتعاون مع المستعمرين في سبيل بقاء مكاسبهم وامتيازاتهم ، لذلك نقرر : إن الاستعمار بكل أشكاله قديمة وحديثه، بنفوذه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، والصهيونية وإسرائيل، والحاكمون الانفصاليون والرجعية العربية. بكل أنواعها خصوم أمتنا، وخصوم حريتها وتقدمهـا ووحدتها .. معيب على العرب اليوم أن يقبلوا بالحدود التي رسمها الاستعمار ومن أجل مصلحـته حدودا لهم، وهم الذين ثاروا عليه وعليها قبل حين . الفرق كبير جدا بين أن يمزقنا الاستعمار ونعتبر ذلك جريمة نعلن الحرب عليه من أجل التمزق، وبين أن يؤكد تمزيقنا بعض العرب ونعتبر ذلك واقعاً شرعيا يجب مباركته والدفاع عنه، وحيث تبقى الوحدة العربية شعارا جميلا يتغنون به من بعيد، ويبقى الانفصال هو الواقع الذي يحرصون عليه !. لذلك نقرر: حين يكون عدو الوحدة وطنيا وهو على رأس السلطة يفلسف الوطنية بأنها القومية ، وإن وحدة القطر أهم من وحدة الوطن العربي ، ويتجه إلى مطاردة الوحدويين، يصبح التطويح به وبالنظام الذي يرتكز عليه أول واجبات المناضلين الوحدويين الاشتراكيين، ذلك لأن الوحدة هي مبرر وجودنا ، وهؤلاء يقفون بيننا وبين تحقيق وجودنا . إن أعداء امتنا هؤلاء هم الذين يرسخون التجزئة والتخلف في الوطن العربي ، أو الذين يدافعون عنها ولو لم يكونوا في السلطة .. فالذين يعادون الوحدة ولو كانوا في صفوف الاشتراكية، إنهم خصوم للوحدة والاشتراكية معا، لأنهم يدركون انه لا يمكن إقامة الاشتراكية في ظل التجزئة والعمالة ومخططات الاستعمار . أن كل نصر نحققه على المستوى القطري مهدد بالزوال إذا لم تصنه القوة العربية الكبرى . المستفيدون من التجزئة هم أنفسهم المستفيدون من التخلف ، وبالمقابل، فان أصحاب المصلحة الحقيقية بالوحدة هم أنفسهم أصحاب المصلحة الحقيقية بالاشتراكية. إن الذين يحاربون التطور والديمقراطية والاشتراكية والوحدة ، هم أصدقاء طبيعيين للاستعمار في معاركه المصيرية مع جماهيرنا العربية ، حتى لو لم يلتزموا به وفق تخطيط مسبق . والذين يناضلون من أجل التطور والديمقراطية والاشتراكية والوحدة هم خصوم طبيعيين للاستعمار والإمبريالية والرجعية والعمالة. إن خصوم الوحدة العربية أجبن من أن يقفوا وجها لوجه أمام الوحدة ليحاربوها كهدف قومي ، لذلك نراهم يحاربون صيغتها، ويحاربون دعاتها ، وخطواتها، وكافة وسائلها.. إن أغلب الذين حاربوا الوحدة في كل مراحل تاريخنا العربي الحديث، تظاهروا بالغيرة عليها، وادعوها زورا وبهتانا ، أو ادعوا الاشتراكية والديموقراطية باعتبارهما خطوة إليها أو بديلا عنها، لذلك لم يعد شعبنا يتأثر كثيرا بالألفاظ الكبيرة ، وإنما أصبحت الأعمال والمواقف هي المقياس التي يقوم به المناضلون ودعواتهم... لقد خاض شعبنا العربي الكادح في تاريخه الطويل وفي وطنه العربي الكبير، نضالا قاسيا وعنيداً ضد الغزاة والمستعمرين ، وضد حكامه الإقليميين الذين كانوا يعمقون التجزئة ، ويرسخون الخلافات بين الأقطار العربية وفي القطر العربي الواحد أيضا، هؤلاء الحكام الذين كانوا رغم توزعهم في الوطن العربي يمثلون إلى حد بعيد طبقة اجتماعيه واحدة ، تجمعهم المصالح الواحدة والعقلية الواحدة ، والسلوك الواحد، بل وحتى التقاليد الواحدة !.. فالبرجوازية القطرية والإقليمية والإقطاعية ، ورأس المال الممثل بالمحتكرين والسماسرة ، يمثلون بمجموعهم طبقة الاستغلال والاستثمار، هذه الطبقة التي كانت تمتلك كل شيء وتأخذ كل شيء ، دون إن تقدم لشعبنا شيئا سوى الهوان والذل و النذر اليسير من جهده .. وكان هذا الشعب يخوض معاركه دفاعا عن حريته وأمنه وكرامته نضالا دائما من أجل وحدته واشتراكيته، وكلنا يذكر كيف أنه وهو في قمة نضاله من أجل الحرية والاستقلال كان يدعو إلى الحل القومي والحل الاقتصادي والاجتماعي . إن أصوات العرب ونضالهم وتضحياتهم من أجل الوحدة والاشتراكية في المشرق العربي هي نفسها أصوات شعبنا، ونضال شعبنا ، وتضحيات شعبنا في المغرب العربي ، وكل بقعة من وطننا العربي الكبير. إن جميع صور النضال العربي ، سواء كانت من أجل التحرر القطري أو التحرر الاجتماعي، كانت تحمل أهدافنا القومية في الوحدة والاشتراكية لأن المناضلين العرب كانوا يرون في ا لتحرر الوطني والاجتماعي خطوة في طريق الوحدة والاشتراكية ، ويرون في الوحدة والاشتراكية استكمالا لابد منه للتحرر الكامل والتقدم الكامل . وكان شعبنا العربي العظيم، يرفد التيار التقدمي بجماهيره المناضلة لتخوض صراعها الدامي ضد السيطرة الإقطاعية العميلة وضد الاستعمار بكل أشكاله، وضد كل صنوف الاستعمار والظلم الاجتماعي ، وهو يتطلع بلهفة إلى يوم يحقق فيه دولته الكبرى . إن جماهيرنا العربية اليوم غيرها بالأمس ، لقد صقلتها التجارب والمحن وأصبحت إلى حد بعيد تميز الدعوات القومية الصحيحة من الدعوات القومية الزائفة، فإذا نجح الحكام العرب الرجعيون زمنا في التمويه والمزاودة باسم النضال القومي ، وتضليل الجماهير العربية بما يطلقونه من شعارات قومية وادعاء بالنضال من أجلها، فما ذلك إلا لأنه لم تكن ثمة مواقف قومية فاصلة يستطيع الشعب تعريتهم بها ، ولم تكن الطلائع العربية قادرة على الوصول إلى جماهير الشعب كافة ، إلا أن نضال التحرير، والتجارب الوحدوية والمطالب الاشتراكية ، ومواقف الصراع القومي في فلسطين، كان كل هذا من عوامل التعرية لهؤلاء الحكام ، ومن عوامل تحقيق الوحدة النضالية لهذه الجماهير. لقد أعادت هذه المواقف النضالية إلى الوحدة معناها الحقيقي الذي عبثت فيه أيدي المتآمرين فأصبحت البدهية الأولى بالنسبة للوحدة هي وحدة الشعب العربي بجماهيره الكادحة وقواه الثورية، وأصبح لا وزن لأية وحدة لا تبدأ بالشعب ، لأن الوحدات التي تقوم في غياب الشعب يمكن اعتبارها تآمراً عليه ، ولو لم تكن متآمرة عليه فلماذا قامت في غيابه وفي غفلة عنه ، بل لماذا تخشى أن يكون موجودا معها في الحوار والتخطيط والتنفيذ... أليس هذا الشعب هو صاحب المصلحة الأولى بها، وأنه هو موضوع الوحدة.. * إن القوى التي تصدت للوحدة الاشتراكية هي أكبر بكثير من تلك التي كانت مع الوحدة ، لان العبرة ليست للكم البشري وإنما للنفوذ وإلامكانات المتوفرة ، فالمناضلون الوحدويون الاشتراكيون يتصدون اليوم لتراكمات قرون من التمزق والتخلف والتشويه ، بالإضافة إلى ما تملكه القوى المضادة من قدرات ونفوذ وحقد على الوحدة والوحدويين، ولان قسما كبيراً من شعبنا لا يزال غافيا على مخدرات أدعياء الوحدة لذلك لم ينزل إلى صف الوحدة مناضلاً وسيطرت على البقية الباقية منه ظاهرة اللامبالاة... ومع كل هذا فان القوى المضادة لم تكن تجرؤ على التنكر للوحدة لأنها التيار الشعبي الذي لا يقاوم بل كانت تعطل مسيرة الوحدة وتشوه نضالها تحت شعار المحافظة عليها والتبني لها ، وتسخر الأقلام للعبث بهذا الشعار : ا- فالذين قاوموا الوحدة بحجة الحرص على الخصائص القطرية ، أو رفع مستوى لقطر لكي يكون مؤهلاً للوحدة ، بحجة إن الظروف الموضوعية تمنع قيام الوحدة نظراً للتباين في مستوى أقطار الوحدة اقتصاديا وإجتماعيأ وأنه لا يجوز للقطر المتقدم أن يتوقف تقدمه أو يتقهقر تقدمه ليلحق به قطر متخلف ، ولا يجوز لقطر برزت فيه خصائص وإمكانات معينة، أن تذوب هذه الخصائص في بوتقة الكم لتصبح أثرا بعد عين . إن هؤلاء القطريين يعبرون عن موقف انفصالي متهم ومشبوه لأنهم يقولون : إن الوحدة لا تقوم بين قطرين أو أكثر إلا إذا استكمل كل قطر تحرره وحريته، ورفع مستواه إلى مستوى القطر الآخر، وحقق كامل شروط الانضمام إلى الوحدة . وهم يتجاهلون أن التخلف الذي يحذرون منه جاء بحكم التجزئة نفسها قبل إن يكون بحكم الموقع أو الظروف السياسية ، وهو بعد كل هذا موجود في كل وحدات الدنيا، ولم نسمع بوحدة تحققت بين قطرين أو أقطار متعددة في العالم وكانت أقطار الوحدة القومية متساوية في ظروفها الاقتصادية والاجتماعية وفي المساحة والسكان ، فأجزاء الوطن الواحد تختلف مع بعضها في بلادنا وبلاد غيرنا من حيث المساحة والسكان والثروة والمستوى ، ولكن هذا لم يمنع قيام الوحدة في بلاد غيرنا ، إيماناً منهم بأن الشعب واحد في أجزاء الوطن الواحد ، وأن التفاوت في صفوفه عارض فرضته التجزئة ، وأن الوحدة هي التي ترمم النواقص ، وتزيل المساويء ، وترفع المستوى ، وتدفع إلى أمام . انه لا تزال في دولة كبيرة كالولايات المتحدة الأمريكية فوارق جذرية بين ولاية وأخرى مما اضطرهم إلى وضع قوانين وأنظمة في كل ولاية تختلف عن القوانين والأنظمة ، التي تسري في الولايات الأخرى ، ومع كل هذا فان هذا لا يمنع أن تكون جميعها دولة واحدة و نفس ما يقال عن الولايات المتحدة الأمريكية يقال عن الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا وألمانيا وايطاليا وفرنسا و!إنكلترا وغيرها... ومن منطلق الظروف الراهنة نؤكد بأنه لا يعقل إن تكون الأجزاء العربية كأسنان المشط فكما أن الإخوة في البيت الواحد ومن أب وأم واحدة ليسوا متجانسين ، بل إن أعضاء الجسم الواحد متفاوتة مع بعضها في القسوة والمستوى ألا أنها كلها تمثل جسما واحداً كما يمثل الأبناء والآباء أسرة واحدة فكذلك لموقع كل قطر أثره في مستواه ، وللطاقات الطبيعية والبشرية أثرها في التمييز والارجحية ، ذلك أن المساواة بين غير المتساويين هي لا مساواة ... ولكن إلا تعتبر الحدود الإقليمية الطارئة سبب تعميق هذه الفوارق ، وبالمقابل ألا يمكن زوال هذه الحدود زوالاً لها .. فالتجزئة وحدها سبب هذا التباين ، وسبب هذه المستويات التي يشيرون إليها، وطالما بقيت التجزئة قائمة فلن يتغير شيء ، لان القطر المتخلف نفسه إذا تقدم ، فإنه لن يصل في تقدمه إلى مستوى القطر الذي ضاعف تقدمه إذا بقي كل قطر يسابق الآخر، ألا أن الوحدة هي التي سوف تكون مجال تقدم لكلا المتخلف و المتقدم من أجزائنا العربية... إذ لابد من التضحية بالقليل من أجل الكثير، فالحقيقة القوية الدامغة هي أنه لن يكون دعم القوي للضعيف ، بأقل من دعم الضعيف للقوي ، ولن يكون في دولة القومية الواحدة قوي وضعيف ، وإنما القوة للأمة الواحدة والوطن الموحد. إن هؤلاء القطريين الذين يدعون الحرص على القطر إنما يحرصون على تثبيت امتيازاتهم، وضمان مصالحهم ، ولو كان ذلك سبيلا إلى اللقاء مع العمالة والخيانة ، لأن الأنانية والمصلحية تدفع أصحابها إلى الانزلاق في مهاوي الانحراف فالوحدة العربية ثورة كاملة في حياة العرب ، وفي الثورة تجاوز للمراحل وتجاوز للعقبات، لذلك كانت الوحدة هي السبيل الوحيد إلى رفع مستوى الأقطار ودفعها حثيثا في مجالات التقدم والازدهار. 2- وما مقاومة الوحدة بحجة الحرص على الديمقراطية القطرية إلا موقف هزيل ومتخلف ، لا يختلف كثيرا عن أدعياء الحرص على الخصائص القطرية، ذلك أن الديمقراطية القطرية تبقى الشكل الباهت المزيف للديمقراطية، لأنه مهما أخذت الديمقراطية أبعادها في القطر الصغير تبقى منة الطبقة الحاكمة على الشعب ، ولا ديمقراطية إلا في حكم الشعب نفسه بنفسه ولمصلحته ، ومتى استلم الشعب مقدراته اتجه حتماً إلى الوحدة لأن الوحدة أصيلة في نفسه ، ولأنه يرى في الوحدة إنقاذه وضمان مستقبله ومستقبل أجياله ، وأن الديمقراطية الحقيقية هي فيما نحققه في ظلال الدولة العربية الاشتراكية ، أي الدولة التي يكون فيها الشعب قائداً ومخططاً ومنفذاً ومشرفاً ومتابعاً ومنتصراً .. إن كل مظاهر الديمقراطية القطرية تبقى مزيفة ومرحلية ، بل إن كل تقدم وكل مكسب يقدم للجماهير بديلا عن الوحدة مطعون فيه إذا لم يكن كل هذا خطوة في طريق الوحدة . 3- والذين يقاومون الوحدة بحجة التمسك بالخط الاشتراكي وتعزيزه ، لا يقلون شأناً عن العاملين في الحقل القطري ، والداعين إلى تعزيز القطرية بدلاً عن الوحدة . ولطالما أكدنا ولا زلنا نؤكد بأنه لا فصل بين الوحدة والاشتراكية ، ولا يمكن للوحدة أن تكون بديلا للاشتراكية ، ولا للاشتراكية أن تكون بديلا للوحدة ، وإن الوحدة التي نناضل من أجلها وحدة اشتراكية ، ولا وحدة إلا بالمضمون الاشتراكي الديمقراطي .. حين نعلم بأن كل استقلال تحرزه الأقطار العربية لوحدها، وكل تقدم أو نصر تحققه، مهدد بالضمور والفناء ، أو الانتهاك والعدوان ، إذا لم يدعم بطاقة الأمة القوية القادرة . وإن الاشتراكية نفسها لا يمكن أن تتحقق ضمن طاقات القطر الصغير، ولسوف تبقى عمليات تحويل اشتراكي فحسب ، تتقدم خطوة وتتراجع خطوتين، لأنه لا يمكن لها أن تأخذ مداها إلا ضمن القطر الكبير، ناهيك بالتهديدات الدائمة لها وصراعاتها مع خصومها وتشويههم لها من الداخل، بالإضافة إلى الحقيقة العلمية بأنه لا طاقات القطر كافية لقيام الاشتراكية ، ولا سوقه ، ولا ظروفه ولا الظروف المحيطة به ، وإنه لا اشتراكية إلا في ظل الدولة الديمقراطية القومية تنمو وتزكو.. 4- والذين يعتبرون الوحدة قدرا لا بد منه ، وأنها ضرورة حتمية أو حتمية تاريخية.. ويقولون أنه لا ضير على المناضلين إذا انتظروا زمنا لتتحقق وحدتهم ، و إن العرب أمة واحدة شاء خصومها أم أبوا ، ولا يمكن لهذه الأمة أن تبقى مبعثرة هنا وهناك وهنالك ، ضعيفة يطمع بها الغير، متخلفة عن ركب التقدم.. فالنكبات التي حاقت بها زائلة حتما، ومسيرة التاريخ معها، وسنة التقدم سوف تحقق لها الوحدة ، فلا مبرر للإلحاح بالدعوة لها ، والتضحيات من أجلها ، لان العرب ملزمون بها، ومسيرة التاريخ معهم ، وهي آتية لا ريب في ذلك . إن هؤلاء القدريين الغيبيين ينتظرون الحل نتيجة التناقض الطبيعي بين الواقع والمتوقع ، وهذا يجعلهم يركنون إلى الاستسلام ، إنهم يريدون أن يدعوا نضال الوحدة وجيل الوحدة وقضية الوحدة ومسؤولياتها إلى الأجيال القادمة إسقاطا عن جيلهم دوره في صنع الوحدة . إن هؤلاء القدريين متآمرون على الوحدة ، تماما كالذين يرفضون الوحدة ما لم تكن وحدة صحيحة كاملة، وكل وحدة ناقصة هي عندهم موضع الشك والاتهام يجب رفضها. وهم تماماً كالذين يقولون: ماذا تعمل إسرائيل ضمن بحر من العرب ، فإذا لم ننتصر عليها اليوم انتصرنا عليها غداً أو بعد غد، لأنه لا يمكن لثلاثة ملايين يهـودي أن ينتصروا على مائة وخمسين مليون عربي!.. لا هؤلاء ولا أولئك يمكن أن يصنفوا وحدويين، فانتظار الزمن لكي تأتي الوحدة بإرادتها، أو المطالبة بكمالها، يعني شيئا واحدا وهو التهرب من حمل مسؤولياتها، لأن الوحدة لا تنزل على الشعوب من عل ودون نضال وفداء ، وإنما الشعوب هي التي ترتفع إليها. إن هؤلاء القدريين مرتبطون بالمصالح القطرية ، وهم متشبثون بها ، لا يريدون لها تبديلا مهما حملوا من شعارات . ومن مصلحة الإمبريالية والرجعية أن يلقوا في روعنا منطق حتمية الوحدة لكي يصلوا بنا أخيرا إلى عدم جدوى النضال من أجل الوحدة مادامت في طريقها إلى التحقق . والسلبيون الذين يدعون إلى الرفض ما لم تتحقق الوحدة كاملة، ويضعون شروطهم على الوحدة ليقبلوا بها، رافضين النضال الحثيث خطوة خطوة من أجلها ، لأن هذه الخطوات بنظرهم ليست كاملة ولا تحقق الوحدة دفعة واحدة إن هذا الرفض ليس موقفا وحدويا ، وتعبير عن الإفلاس ، أما الالتزام بالحل ، والنضال من أجله مهما كانت التضحيات ، وتحقيق كل ما يمكن منه فهو الموقف الوحدوي الايجابي الذي يعبر عن طاقات المناضلين وقدراتهم ، وهو الذي يتصف به الوحدويون. فإذا كانت الوحدة الاشتراكية ثورة العرب الكبرى ، فالوحدويون الاشتراكيون المتفائلون الصامدون هم الثوار ولا وحدة دون وحدويين! .. 5- وهناك من نسميهم بـ (التقليديين) ، وهم يضافون إلى أدعياء الوحدة ، المسيئين إليها، هؤلاء يعلنون انحيازهم إلى الوحدة ، وتقديسهم لها، وإيثارها على كل شعار، بالحديث المطلق عنها بألفاظ كبيرة رائعة، حتى لتصبح الوحدة في نظرهم غاية الغايات ، وهدف الأهداف ، مما أفسح المجال للعابثين والمغرضين أن يصولوا ويجولوا في استغلال هذا الشعار. وتطفل عليه الانتهازيون وامتطوا موجاته ، وليس ثمة أية رابطة تربطهم به. والمسلمة التي تعلمناها من نضالنا ونضال غيرنا أن الدراسات المطلقة لا تعني شيئا، وانه لاشيء يقتل الهدف مثل الحديث المطلق عنه، فالأجيال العربية تطالبنا دائما بالتحديد له ، وبالطريق إليه، وبمسؤولياتنا من أجله، لتسير في دربه من قناعة ووعي ، ورضا وطواعية ، لأنها ملت خطب المنابر ومانشيتات الصحف ومزاودات السياسيين.. لقد حفظت عن ظهر قلب أهمية الوحدة وفوائدها وضرورتها، بل إنها اضطلعت على العديد من مقوماتها ، ودرست التجارب الوحدوية في العالم كأنها تجربتنا، ولا فضل لأحد منهم في هذه الإشارات العابرة عن وحدتنا أو تجارب غيرنا ، لأن أجيالا لا حصر لها خاضت هذا الموضوع بهذا الشكل الهامشي الجانبي ، ولكننا لا نجد حتى يومنا هذا دراسة واحدة نجد فيها تصورا موضوعيا للوحدة شكلا ومضمونا .. إن العصر الذي نحن فيه هو عصر العلم والموضوعية ، وليس عصر العواطف والألفاظ الجوفاء . على الوحدويين العرب أن يعلنوا : ما هو دليل وحدويتهم !.. فألفاظهم الحماسية وادعاءاتهم الوحدوية لا تعني شيئا، ولا تمنحهم صفة الوحدويين.. عليهم أن يكتبوا تصوراتهم عن الوحدة والطريق إليها وشكلها، وعليهم أن يقدموا للجماهير العربية ما أعطوه للوحدة من مواقف ، وحرام عليهم وعلى غيرهم أن يعبثوا بعواطف هذه الجماهير !.. 6- وهناك الذين يضعون الألغام في مسيرة الوحدة بأساليب ملتوية لا حصر لها، كأن يفترضوا شكلا معينا للوحدة العربية ليهاجموه بشراسة ، ويستعرضوا نواقصه وأخطاءه - وهو لا يزال تصورا- ليشيروا إلى الخسارة التي تحيق بقطر دون آخر .. أو أنهم يقفون أمام بعض التجارب الوحدوية التي انتكست في بلادنا أو بلاد غيرنا ليحاسبونا عليها، كأن هذه التجربة أو تلك هي الوحدة المثالية ، ليصلوا أخيراً إلى حكمهم باستحالة قيام الوحدة .. وكم مرة افترض هؤلاء أنفسهم أن وحدتنا عنصرية شوفينية يجب مكافحتها لأنها لم تعط الأقليات القومية في بلادنا حقوقهم ، ولم تحافظ على القيم الإنسانية المطلوبة منها .. إنهم يحاكمون الوحدة وهي لا تزال أملا في الصدور .. وينبشون من التاريخ بعض المواقف الخاطئة ليبرهنوا على عدم ضرورة الوحدة أو جدواها ، والوحدة ما قامت في تاريخ العرب يوما إلا لتحمل الرسالة وتقدم للتاريخ الإنساني كل ما هو لخيره وتقدمه . لقد وصف بعض هؤلاء الوحدة العربية بأنها وحدة فوقية ، ليبرالية، فاشية، وأنها لقاء وتعاون أنظمة عربية رجعية ، وجهلوا أو تجاهلوا أن المناضلين العرب ما كانوا يوماً مع اللقاءات الشكلية للحكام العرب من أجل الوحدة ، وإنما كانوا مع لقاء الشعب العربي مع بعضه من أجل الوحدة ، لان الوحدة في حقيقتها وحدة الشعب العربي الكادح ليس إلا، هذا الشعب الذي به وحده تأخذ الوحدة حقيقتها لأنه أداتها ونتيجتها . فإذا تصدت الفئات العربية الحاكمة للوحدة لتضع لها الصيغ التي تريد منطلقة من أنها موجودة في قمتها، فما ذلك إلا لتمنعها عن الشعب ، خوفاً منه ، لا حبا بها أو به ، وهو موقف سلبي من الوحدة لان الشعب لم ينتظر من حكامه التقليديين يوما من الأيام تحقيق وحدته . وهناك الكثير الكثير من المحاولات التي تأخذ الشكل الايجابي من الوحدة ، وهي في حقيقتها سلبية منها، يجب فرزها ووضعها في مكانها الطبيعي .. لا بد من تعريتها جميعا والصراع معها دون هوادة ، إنها جميعا تصنف مع خصوم الوحدة ، الذين يدعونها ويختلقون التهم حولها من أجل إقصاء أبنائها عنها ، وتبرير محاربتهم لها، لان كل ما يصورونه لنا عنها ويتصورونه أمام أنفسهم من نسج خيالهم هم ، لاسيما وأننا لم نحقق من الوحدة سوى الأمل بها ، والحب لها، وجو النضال من أجلها... ولا تزال الوحدة منيعة عصية لا تنال بما يكتبه البعض عنها، وإن الطريق إليها ليس مفروشا بالورد، وإنما تنال بمداد الدم والضحايا، وبالطريق المعبد بالجماجم . لقد عريت جميع النعرات الإقليمية والطائفية والعشائرية والعائلية وكل الولاءات الأخرى باعتبارها عقبات من اجل إيقاف مد الوحدة ومنع أنوارها من السطوع... وفضح بالمقابل جميع أدعياء القومية حين لم يكونوا للوحدة إلا باللفظ المجرد، وصنفوا جميعاً خصوما للوحدة . ليبقى الشعب العربي الكادح مع طلائعه أصحاب المصلحة الحقيقية بالوحدة والمناضلين الوحيدين من أجلها... لقد هوت أغلب الحركات الإقليمية في الوطن العربي لأنها لم تكن متجاوبة مع أماني وتطلعات هذه الجماهير الكادحة ، ولسوف تهوي أيضا كافة القوى التقدمية غير الثورية في الوطن العربي، مهما كانت هذه الأحزاب مدعومة بالسلطة والنفوذ، إذا لم تكن بمنطلقاتها وأسلوب نضالها متجاوبة مع تطلعات جماهيرنا الكادحة وداعين إلى الوحدة الاشتراكية. أن كل وحدة لا تبدأ بالشعب سوف تنته بدون شعب، فالوحدة لا تنال بالمفاوضات الفوقية لتقدم لقمة سائغة إلى الشعب وبالشكل الذي يريده الحاكمون ، وإنما تنال بنضال الشعب ومن خلال تضحياته وصموده.. وسواء أوغل الانهزاميون بتشويه نضال الوحدة والتشكيك به، أو تصدت الرجعية والإمبريالية والصهيونية للوحدويين في كامل خطواتهم ، أو وقفت أمامنا ملايين العثرات والعوائق ، وسواء هددونا بالقنابل الذرية أو السلاح المتقدم أو الدمار الذي ينذروننا به ، فإننا عارفون أن الوحدة العربية هي أقوى من قنابلهم وسلاحهم وقدراتهم بأسرها . وليس ثمة ما يوهن خطانا إلى الوحدة أو يخفف من حماسنا لها . لقد حملنا شعار الوحدة في ظروف قاسية جائرة كانت فيها كلمة الوحدة وحدها جريمة يعاقب أصحابها عليها، فكيف بنا ونحن اليوم في بلد يقوده حزب أول شعاراته الوحدة .. وللوحدة رصيدها الكبير في قلوب الجماهير العربية سواء بما حفره حزب البعث العربي الاشتراكي في نفوس الجماهير من حب لها وإيمان بها ونضال من أجلها، منذ نيف وثلاثين عاما أو بما حققه القائد الخالد جمال عبد الناصر من خلال نضاله وعطائه الوحدوي عبر ثمانية عشر عاما، أو بما حققه الوحدويون الاشتراكيون في صمودهم سبعة عشر عاما يدعون الشعب ويناضلون معه ويقدمون نماذج المناضل الشجاع من أجل الوحدة !!.. وأخيراً وليس أخراً : نحن وحدويون اشتراكيون في كل الظروف ، في السلم والحرب ، في المراحل الايجابية المشرقة من حياة أمتنا نناضل من أجل أن نصون النصر ونطوره لرفع أعلام الوحدة الاشتراكية عالية ونكون حراسها الأمناء عليها، ونحن وحدويون اشتراكيون في المراحل السلبية المظلمة لنبدد الظلمة من حياة أمتنا ونخلق من شرارات الثورة نوراً للمستقبل العربي الجديد!.. ومن منطلق الثقة بشعبنا والثقة بقضيتنا نود مخلصين أن تدرس الطلائع العربية أسباب الانحدار العربي اليوم ، عازفين عن التبرير. لأن أدواءنا كامنة فينا وحدنا، فالعدو اليوم وكل يوم يخطط ويعمل من أجل القضاء على كل أمل لنا في الوحدة والاشتراكية والحرية، وهو يرى في نضال القومية العربية مقتله ولكن : - هل كنا نحن مع مسؤولياتنا حقا... هل كنا في كامل مواقفنا للقضية القومية الاشتراكية.. هل سرنا في الطريق الصحيح إلى أهدافنا.. لا بل هل قدم العرب دراسة موضوعية عن أسباب أزماتهم الدائمة ليضعوا الحلول لها ، وتساءلوا بموضوعية : لماذا وئدت كل التجارب الوحدوية في العصر الحديث وهي لم تر النور بعد.! لماذا تمزق الوحدويون وحدهم في كل مكان والتقى الانفصاليون في كل مكان ! لماذا تمزق البعث مرات ، وتمزق الناصريون مرات وتمزقت كل قوة سياسية على نفسها مرات ! لماذا أصبحت الرجعية العربية قوية بعد أن كانت في منتهى الضعف والهوان ! لماذا كان الوحدويون التقدميون أقوى منهم الآن على مستوى الوطن العربي ولم تكن ثمة دولة عربية تقدمية، وفي الوطن العربي اليوم دول تحمل شعار التقدمية ! لماذا لم تحشد طاقات الشعب العربي وتوضع في مكانها الطبيعي من نضال الأمة في معاركها اليومية ، لان المعارك لا تكون بالجيش وحده ! لماذا يستهدفون سورية وحدها من أجل إيقاف البقية الباقية من العنفوان الـعربي ! لماذا تفشت ظاهرة اللامبالاة والانهزام بين أجيالنا وكأنها ليست مروقاً ولا انحرافاً ، مع أنها من أخطر الظواهر السلبية التي تمر بها الشعوب ! لماذا أصبح للخيانة والعمالة في بلاد العرب منطق يرددونه وكأنه الواقعية ويتحدون به وكأنه البطولة !! لماذا تمزقت الثورة الفلسطينية من الداخل وأصبحت فصائل متناقضة متصارعة ، وهي التي كانت إلى زمن قريب موضع إعجاب وتقدير العرب وغير العرب ! لماذا انحسر المد التقدمي العربي مع أن التقدمية منطلق العصر وسنة التطور بل أن التقدمية في كل مكان في تقدم وانتصار ! لماذا لم تثبت الطلائع العربية وجودها ، مع أن امتنا تمر بأخطر ما تمر به أمة ! أليس من حق التاريخ على الطلائع العربية أن يطالبها بوقفة مراجعة شجاعة لتدرس أسباب كل هذا لتخرج بدراسة علمية تكون البداية لمنطلقات جديدة وخط جديد ومواقف جديدة ، تتخذها أجيالنا العربية نبراساً لها لتبدأ البداية الصحيحة وعلى مستوى الوطن العربي !
|