|
حديثنا اليوم : (ملاحظات حول الوحدة) لقد حاضرنا وكتبنا الكثير عن الوحدة ، وكانت لنا آراء وملاحظات ودراسات أضيفت إلى الفكر الوحدوي تعرفونها جيدا ذلك لأنها في طليعة الزاد الفكري الذي تبشرون به، أرجو مخلصا أن تكون دراستنا هذه إضافة جديدة إلى ما قدمناه من دراسات، ولقد كان عليّ أن أعد هذا الموضوع كمحاضرة كما هو الحال في كلمتي عن ( النقد والنقد الذاتي) إلا أن الظروف القلقة لم تسمح لي بذلك ؛ وطبعي أنه لا يجوز لنا ونحن نقيم مخيما يضم كما جيدا ونوعا متميزا من الأعضاء إلا وأن يكون للوحدة نصيب فيه. أيها الإخوة ا.. من منطلق الإيمان بوحدة الأمة العربية رغم تمزقها إلى دويلات مصطنعة ودول أخرى كبيرة، ورغم مرور الزمن الطويل على هذه التجزئة، فإن شعار الوحدة يبقى هاجسنا لأنه مبرر وجودنا، وهذه الظواهر مهما طال أمدها ومهما تدعمت لا تخفف من إيماننا ولا توهن انطلاقتنا ولا تؤثر بإرادتنا، لأن الأصل هو الأقوى والطارىء هو الضعيف. من بدهيات النضال عندنا أنه لا يأس ولا تردد لدى المؤمنين المناضلين، فهم مصممون على التصدي والتحدي والصمود إلى أن يحققوا هذا الهدف الكبير . من القناعة المطلقة التي لا يعبث بها شك أو تردد بضرورة قيام هذه الوحدة في الوطن الواحد تطلعاً إلى دولة واحدة كانت هي الأمل لأجيالنا عبر قرون ، نقول : إننا مؤمنون أن الوحدة العربية هي عودة الأمة العربية إلى ذاتها، إلى وطنها، إلى سيادتها في هذا الوطن، إلى وضعها الطبيعي، ذلك أننا نحن العرب اليوم نعيش الوضع الاستثنائي، الوضع الطارىء ، الوضع الدخيل ، الوضع الذي نرفضه جميعا. ومن القناعة أنه لا قدرة للعرب على اللحاق بالعصر وحمل رسالتهم الإنسانية السامية إلا من خلال قوتهم، ولا قوة لهم إلا بالوحدة : بالوحدة نحل مشاكلنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ونبدّد كل ما يعوق تقدم الأمة حيث نقضي بشكل حازم جازم على التجزئة والتمزق والتخلف. من هذه القناعات، ومن هذا الإيمان قام حزبنا الوحدوي الاشتراكي، وبشر بالفكر الوحدوي الاشتراكي، وناقش وحاضر ووسع اتصالاته بالجماهير، متحديا زمن الانفصال الأسود، ومتحديا المواقف الحائرة التي جاءت في بداية الثامن من آذار، وتحمل العذاب والاضطهاد والمطاردة، وقدم الشهداء، وصمد صمود الأبطال دون أن يعتريه كلل، دون أن يخاف من هذه المتاعب التي كانت تطارده في كل مكان . أيها الإخوة .. الوطن العربي اليوم منقسم إلى دول فقيرة تشكو الحاجة والحرمان والتخلف، ولا يعود فقرها بعجز شعبها، وإلى دول غنية لا يعود غناها إلى نشاط شعبها.. فقد كان لموقع القطر وتوفر الثروات الطبيعية فيه سبب الغنى، وبالمقابل فإن عدم توفر الثروات وتوفر الموقع في البلد الآخر كان سبب هذا الفقر له. فالدول الغنية جاءتها الثروة دون جهد، وهذه الثروة في منطقنا سلب لحقوق الآخرين من أمتنا من منطلق قناعتنا أن الوطن العربي وطن واحد وأن ثروات هذا الوطن هي لأبنائه جميعا، وحيث يعيش أبناء هذا الوطن حياة واحدة ، إلا أن الحكام الطغاة الذين وقعت الثروة في أيديهم حجبوها عن الشعب العربي واستأثروا بها دونه، وادعوا أنها لهم وليس لأحد فيها نصيب، بل إن هذه الدول الغنية ارتبطت بالسوق الرأسمالية بدل أن ترتبط بالسوق العربية، مما أقصى هذه الدول وهذه الدويلات عن الخط القومي، وكانت مواقفها السياسية والاقتصادية مع الدول الإمبريالية الصديقة لها، رغم إمعان هذه الدول الإمبريالية في مناهضة الخط العربي والمصالح العربية العادلة. قلنا أن الوطن العربي منقسم إلى دول غنية وأخرى فقيرة ، ونقول هنا أنه تتعدد أنظمة الحكم فيها حتى التناقض : من أنظمة تقوم على الفرد ومزاجه ومصالحه وأسرته إلى أنظمة تقوم على المؤسسات الديمقراطية. وحتى نظام الفرد يتعدد في الوطن العربي، وحتى الأنظمة الديمقراطية نفسها تتعدد وتختلف في مواقفها ومواقعها أيضا. نحن كحزب سياسي قومي عربي اشتراكي، نرفض كل ما هو طارىء ودخيل على أمتنا، ونرفض كل ما يشوه صورتها أو يعوق تقدمها، ونسعى إلى عودة الحق إلى نصابه وعودة الأمور إلى مجاريها ، جئنا باسم الوحدة ومن أجلها ولسوف نستمر بالنضال في طريقها إلى أن نصل إلى هذا الهدف الكبير. كيف نحلل هذه الظاهرة وما هو الطريق اليوم !.. هذه دراسة تضاف إلى دراساتنا في الوحدة . أقول لا بد أولا من : 1- إدانة كامل المسيرة التي لم تعط القضية شيئا، يجب أن ندينها وأن ندين الواقع ورموزه أيضاً وندعو إلى عملية مراجعة لتحديد المسؤولين عنها وصولاً إلى تحديد الوسائل ، إذن نحن نرفض الواقع العربي كاملاً وندينه لأنه لا يمثل إرادة الأمة ولا حركة التاريخ ، والإدانة تتطلب منا القدرة على التصحيح، وهذا يلزمنا بأن نحدّد وسائلنا النضالية وأهدافنا المرحلية والاستراتيجية... 2- يجب أن نعرف بوعي وموضوعية: آ- من نحن : أي من هو الذي يريد وما هي قيمة إرادته، وموقع هذه الإرادة لنصل إلى قولنا. ب- ماذا نريد !.. وحين نقول ماذا نريد يجب أن نحدد الشكل والمضمون معاً . ثم نصل إلى السؤال الثالث : جـ- ممن نريد !.. من هو الصديق الذي نطالبه بالوحدة ، ومن هو الخصم الذي نحاربه من أجل الوحدة. الوضوح هو الذي يمكن له أن يمهد لنا الطريق ، هو الذي يبرر لنا عملية الإدانة لأعداء هذا الطريق وهكذا نعرف : الوحدة ممن ، ومع من ... والديمقراطية مع من وممن، والتحرر ممن ، أي يجب أن لا نلقي الكلام على عواهنه، هل التحرير من سلطة الإمبريالية ونفوذها، أم من سلطة الطغاة والحكام ، أم سلطة الاستغلال أم تحرير الإنسان العربي من المرض والجهل والفقر والاستلاب. أم كل هذا !!.. نحن نشكو في ميادين متعددة... لا يزال الوضوح هو أهم مشاكلنا... حتى الآن لم ندرس الوحدة شكلاً و مضموناً و كيف !... صحيح أننا أجبنا على هذا السؤال في مناسبات عدة، ولكن هذه الإجابات تبقى قاصرة أمام تسارع الأحداث وتغير الظروف وتغير المواقع والمعالم . إن كامل الصيغ الاحتفالية الكمية للوحدة لم تعد تعطي شيئاً للوحدة ولو سبقتها مؤتمراتها، فالوحدة فكر وتخطيط ووسائل وإرادة ومنجزات... تتلوها الصيغ الاحتفالية... لست أدري لماذا تذكرت الحكام الأغنياء وليس هنا مكانهم، ولكن ربما ذكرتهم لأنهم سوف يحاربون كل خطوة نخطوها في هذا السبيل ، إنهم يحاربون بفتات المال ينثرونه هنا وهنالك بالمناسبات دفاعاً عن مواقعهم ، ولكن، محال أن يخدروا شعبنا لأنه غدا أكثر وعيا لحقوقه وأكثر حذراً منهم ، وأكثر تطلعاً صادقاً وجريئاً إلى بناء المستقبل له وللأجيال من بعده . 3- يجب أن ندين نقل الخلاف بين الحكام العرب إلى خلاف بين شعب الأقطار العربية، هذه جريمة كبرى يرتكبها بعض الحكام العرب ، وهي شوهت إلى حد بعيد نفسية الشعب، وشوهت أفكاره وشوشتها، وأساءت إلى وحدته وأصالته. إن انتقال المعارك الجانبية سواء داخل القطر الواحد أو مع الأقطار العربية الأخرى، فتتت طاقات الأمة وأقصاها عن أهدافها . فالقطرية السياسية اليوم غدت قطرية سياسية واجتماعية أيضا، وهذه مأساة كبيرة لأن الأساليب الحرباوية التي لجأ إليها بعض الحكام العرب في الوطن العربي كانت ترمي إلى تعميق التناقض بين العرب وكأنه ليس خلافا بين الحكام وإنما هو خلاف بين شعب القطرين... وكان من أبرز وسائلهم في ترسيخ القطرية وترسيخ التناقض أيضا محاولة تعميق الوجود القطري بادعاء الخصائص القطرية والعمل على تثبيتها وتركيزها . تصوروا أن أغلب الدول العربية تدرس الآثار في بلادها من خلال التأكيد على أن هذه البلاد كانت قطراً متميزاً منفصلاً عن الوطن العربي في غابر التاريخ ، وأنها لوحدها تكون (الأمة) وكلمة الأمة تتردد في عديد الدول العربية، فيقال (مجلس الأمة) بدلاً من (مجلس الشعب) وكأن الشعب في ذلك القطر هو أمة كاملة. قلت: إن القطرية السياسية غدت قطرية اقتصادية واجتماعية وثقافية وغدت أيضاً تخاف على مصالحها، تخاف على امتيازاتها، لهذا قطعوا المعونة عن سورية، سورية الواضحة الصريحة الجريئة، الخط الواضح، الأهداف الواضحة، المسيرة الواضحة، طبعاً كل هذا من خلال القائد الكبير حافظ الأسد ؛ إنهم يعرفون جيداً أن سورية تتكلم باسم العرب، وإنه يمكن لها أن تدافع عن كل العرب، وهي فعلاً دافعت وضحّت واعتبرت هذا واجبها القومي، وهذا لا يرضيهم، إنهم لا يريدون الدفاع العربي ولا التحرير العربي لأنهم غرقوا حتى الأذقان بالعمالة . لقد قطعوا المعونة التي التزموا بها في مؤتمر القمة في بغداد ونكثوا بعهدهم ولحسوا توقيعهم لكي يضغطوا على سورية، وخشية أن تكون هذه الوجيبة المالية عامل قوة لنا ودعماً للمسيرة القومية التقدمية . الصر! بين القطريين والقوميين قائم في كل ميدان، ليس بخاف على أحد إن مواقف المجاملات لم تعد تموه الحقائق ولم تعد تنطلي على أحد، إلا أن الصراع بين القطريين والقوميين، بين الأحرار والمرتبطين، بين الملتزمين بالعروبة وبين من لا تربطهم بالعروبة إلا اللغة واللباس، هو صراع وجود، إما وجود قطري وإما وجود قومي، لا يمكن للقومية أن تتدعم إلا إذا قضت على القطرية، والقطرية لا يمكن لها أن تستمر إلا إذا قضت على التيار القومي . هذا يجب آن يكون واضحا ويجب أن نتكلم به ولا يخيفنا أن نشير إليه في كل مناسبة. فالجامعة العربية التي جاءت جوابا لنضال المناضلين العرب في الأربعينات هي في التقييم النضالي ليست الأمل والملاذ، وإنما جاءت باسم الدول العربية ومن أجلها وما جاءت باسم الشعب ومن أجله، ما قامت باسم الوحدة ومن أجلها وإنما قامت باسم القطرية وتعزيزها ، ولذلك ما كان لها فضل قيام وحدة بين قطرين عربيين، لا بل إنها ما رأبت صدعا بين قطرين عربيين، وما حلت مشكلة من مشاكل الأمة العربية، وما يمر به الوطن العربي اليوم خير دليل على ذلك . قلت: ما رأبت صدعاً بين قطرين عربيين لأنها لا تملك قدرة التدخل ولا قدرة الفرض، بل لا تجرؤ أن تمس مشاعر أحد، فالحرص عليها مبرر من خلال الحرص على التضامن العربي وكأنها هي وحدها صورة هذا التضامن . علما بأننا لا نقنع بالتضامن العربي إلا إذا كان هادفا يؤدي إلى المزيد من التعاون إلا إذا كان ملتزما، لأننا نرى في التضامن العربي خطوة من خطوات حل النزاعات بين العرب، وبتعدد اللقاءات الايجابية فيما بينهم لكي تتطور إلى التعاون فالتنسيق فالتكامل فالوحدة، ولكن، إلا ترون معي أن خمسة وأربعين عاما ليست بالزمن القليل، مضى هذا الزمن على الجامعة العربية ولم تتطور ولم تتقدم ولم تسر خطوات إلى أمام ... ويقول القوميون العرب في مختلف مواقعهم وأمصارهم: إن الجامعة العربية لم تحقق وحدة اقتصادية أو تكاملا اقتصاديا أو سوقا اقتصادية عربية. أو وحدة عسكرية أو تكاملا عسكريا أو وحدة ثقافية وإعلامية... ولم يصدر عنها أي قرار يمس السيادة القطرية... كلكم تعلمون أنه لعديد أعضاء الجامعة العربية ارتباطات مع غير العرب أكثر من ارتباطهم مع العرب ، وهذا ما راعته الجامعة العربية وحرصت عليه ، لا بل شجعت عليه تيسيرا لأمورها وخيفة هتك أستارها، وحين ندرس موقع أعضاء الجامعة نجد التعدد في امتيازاتهم وارتباطاتهم والتزاماتهم ونهجهم !!.. 4- لا بد لنا ونحن ندرس الوحدة أن نقف وقفة مبدئية أمام ظاهرة الدين، والدين الإسلامي الذي تعددت المناقشات حوله وتطورت وتناقضت، وتعددت الآراء فيه. الدين الإسلامي أيها الإخوة هو دين العروبة، دين القوميين العرب، لقد حرصنا على هذا الدين لأننا من خلال هذا الحرص عبرنا عن حرصنا على اثمن ما قدمته القومية العربية للعرب . من خلال هذا الدين قامت حضارتنا وتألق إنساننا وسادت قيمنا وانتشرت رسالتنا. مطلوب منا أن نصل إلى دين إسلامي متحرر من الطائفية والتحجر، فالطائفية ليست من الدين في شيء ولا علاقة لها به لا من قريب أو بعيد، فما كان محمد نبينا العربي الكريم سنياً ولا شيعياً ولا حنبلياً ولا مالكياً ولا حنفياً ولا جعفرياً ، وإنما كان عربياً مسلماً . الطائفية جاءت بعد الرسول الكريم وهي طائفية سياسية ومدانة. الدين الإسلامي دين واحد لا أديان ، والطوائف دخيلة عليه ، يجب أن نتصدى لها، ويجب أن نؤكد بأننا عرب مسلمون وهذا ما يجب أن نعتز به. مطلوب منا أن نصل إلى دين إسلامي متحرر من الطائفية، متحرر من التزمت ، متحرر من التعصب ، لأنه في جوهره دين تقدمي . مطلوب منا أن نحرر الدين الإسلامي من الشوائب كافة ، لا سيما الإسرائيليات فيه، ديننا أخاف إمبراطوريات كبرى في التاريخ ودحرها، لقد اهتز العالم القديم هلعا أمام هذه الرسالة التي فجرت طاقات الإنسان العربي ، ومخرت عباب الأرض ، لذلك تصدوا لها ، دخلوا إلى الدين من الداخل وحاولوا العبث فيه ، هل تتصورون أن عديد رجال الدين وعديد المؤلفات في الدين الإسلامي كانت من صنع اليهود ، لقد لبسوا العمائم وأطلقوا اللحى وانحازوا إلى الأطراف كلها حين وزعوا الأدوار فيما بينهم ، هذا ما أثبته المؤرخون. ومن عجب أيضا أن اليهود دخلوا كمؤرخين عرب. أقول: علينا أن نحرر ديننا من الإسرائيليات وخرافاتها وخزعبلاتها فهي ليست من الدين في شيء، وأن نبقي على أصالة العروبة في الدين ، وأن لا ندع للاسرئيليين أثرا فيه وصولا إلى دين إسلامي عربي تقدمي قومي عالمي . الدين الإسلامي دين عالمي وان جاء بلغة العرب ونزل على نبي من العرب وفي أرض العرب وعبر عن مشاعر العرب وتطلعاتهم ، إنه للبشر أجمعين : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ما جاء في القرآن الكريم رب العرب وإنما جاء رب العالمين (الحمد لله رب العالمين) و (ما أرسلناك إلا هدى للناس). أخلص من هذا إلى القول : إن الصراع الديني والطائفي في الوطن العربي وخارجه صراع مفتعل ودخيل يراد منه تمزيق الشعب الواحد إلى شعوب ، وإقصاء الدين عن القومية. إنهم يقولون : إما قومية وإما دين، وهذا غير صحيح ومرفوض منا. عندما أتكلم عن الدين الإسلامي فالواجب القومي يحتم علي أن أقول: ما هو موقفنا- من الدين المسيحي والمسيحيين العرب !.. للدين المسيحي قدسيته عندنا ، فهو دين عربي عبر عن روح العرب في أرض العرب ، والمسيحيون عرب مثلنا اعتنقوا هذا الدين كما اعتنقنا الدين الإسلامي وقاسمونا السراء والضراء وكنا لهم وكانوا لنا ، ما انفصلوا في تاريخهم عنا ، وما انفصلنا في تاريخنا عنهم، لقد أعطوا للغة العربية وللقومية العربية وللأرض العربية وللدين الإسلامي نفسه خدمات جلى... حين يناقش الغربيون الدين المسيحي يناقشون كدين جاءهم من الشرق ، من العرب ، إنه ما خرج من أرضهم ولا عبر عن روحهم وتطلعاتهم، فنظرتهم إليه تختلف كليا عن نظرتنا ، لأن الدين انبثق منا وخرج من بلادنا وحمله أجدادنا سواء كان هذا الدين إسلاميا أو مسيحياً . وطبيعي أنه لا يمكن أن يتحقق كل هذا إلا إذا نقينا تاريخنا العربي وأحاديثنا النبوية الشريفة من الشوائب لكي يكون كل هذا تعبيراً عن لصالتنا... لا بد من إعادة كتابة التاريخ العربي بالشكل الذي يحقق اللحمة بين المسلمين، ويحقق الوحدة بين العرب، كما وأنه مطلوب منا ونحن نكتب التاريخ أن نحدد أعداءنا أيضا. أيها الإخوة !.. البداية دائما وأبدأ من القاعدة ، ولا بناء يبنى من الأسفل ، والقاعدة هي الجماهير، وأركان البناء هي الجماهير أيضا، لذلك من الواجب علينا أن نؤكد حقيقة رسختها الأيام ورسختها التجارب وهي أننا نحن العرب يئسنا من نضال القمة ومن مؤتمراتها التي لم تعط جديداً عبر هذا الزمن الطويل ، أرى من واجبي أن أضع بعض التصورات في الطريق إلى الوحدة : 1- أن يتحقق لقاء بين نقابات العمال ونقابات الفلاحين في الوطن العربي ، وأن يلتقي المعلمون العرب والأطباء العرب والمحامون العرب والطلاب العرب ، حيث يتم من خلال هذا تعاون وتضامن يقود إلى الإسهام في قضايا الوطن العربي . 2- أن تقوم الأحزاب القومية في الوطن العربي بلقاءات فيما بينها وأن تجرى حوارات وصولا إلى التنسيق والتكامل في نضال موحّد، انه من خلال هذه اللقاءات توضع صيغ وخطوط عملية وصولا إلى وحدة الأداة ، وكلكم تعرفون ما هي هذه الأداة إنها (الحركة العربية الواحدة) . 3- الدعوة والنضال من أجل احترام إنسانية الإنسان، لا يمكن لإنسان عربي أن يبدع ويتألق وهو فاقد انسانينه، فلنعمل على ضمان احترام إنسانية الإنسان وتحريم هدر الإنسانية تحت أي شعار وفي أي ظرف وبأي ثمن، وأن نعمل على تحقيق الفرص المتكافئة للمواطنين كافة لكي يأخذ كل مواطن مكانه المناسب حيث تغدو القيمة للأكثر كفاءة وعطاء... 4- أن نؤكد على سيادة الديمقراطية في الوطن العربي ، لكي يكون هذا الشعب قوة اجتماعية فاعلة، لأن تحريك هذه الجماهير أساس هام في المسيرة الجديدة ، تصوروا أنه حتى ظاهرة الشكل الديمقراطي لا يتحملها الحكام العرب ، وإنما يسعون إلى تشويه حتى هذا الشكل الذي وضعوا صيغته هم فيتلاعبون ويزورون ويعبثون لكي لا تنجح هذه التجارب. 5- قيام تنيظمات على المستوى القومي وتكون لهذه التنظيمات فعلها الكبير لا سيما حين تقوم على العمال والفلاحين والطلاب والحرفيين والمهنيين.... 6- أن نعمل دون كلل من أجل إلغاء تأشيرات الدخول بين الأقطار العربية، وتسهيل عمليات الذهاب والحركة، فاللقاء والتفاعل والتعاون هو البداية... 7- إلغاء التعرفة الجمركية بين البلاد العربية بالنسبة للإنتاج العربي وليس بالنسبة لما نستورده من الخارج كي نشجع صادراتنا ومنتجاتنا، وكل سلعة تتوفر في بلد عربي يمنع استيراد نظيرها من الخارج . 8- تبادل زيارات الفرق الفنية (موسيقى- تمثيل- سينما...) والفرق الرياضية، وإقامة الندوات الثقافية في البلاد العربية بالإضافة إلى القانونيين. 9- التبادل والتكامل الإعلامي، تعريف العرب ببعضهم من خلال الإعلام . ونقل الأنباء المشتركة مع البرامج المشتركة، بالإضافة إلى تكامل الصحافة والإذاعة والتلفزة... 10- الارتفاع بمستوى الفن كافة من الفن المحلي إلى الفن القومي وأعني بهذا أن يعيش الفن روحه القومي متحررا من القطرية - نسبيا- . والتخلص من الفن الباكي الحزين إلى فن الأمل والثقة بالنفس والشعب والأمة، إن جيلاً يسمع كلمات: (الأوف والأمان ويا ذلي ويا ويلي لا بل ويطرب لنشيد: "ما بأيدينا خلقنا تعساء...) إلى ما هنالك من كلمات الذل والمسكنة والتأوه والشكوى والتعبير عن الحزن والأسى... لا بل أن بعض الأغاني تطالب بالموت بديلا عن الحياة... وحتى الموسيقى لا تدخل إلى النفوس إلا إذا كانت موسيقى حزينة... الفن البائس يخلق جيلاً بائساً يائساً... إن هذا الجيل لا خير فيه . 11- محاولة التكامل الاقتصادي بدلاً من التنافس الاقتصادي، بالإضافة إلى قيام صناعات قومية ثقيلة تقوم برؤوس أموال عربية توزع وفق توفر المواد الأولية والكفاءات الفنية. ونرى أن توضع خطط الاكتفاء الذاتي وهذا ما يستطيعه العرب... 12- قيام معاهدات الدفاع المشترك عن الوطن العربي وعن مياهه وبتروله وكامل ثرواته واعتبار الوطن العربي وحدة كاملة ما يمّس القطر يمّس كل الأقطار الأخرى ... 13- تشجيع قيام الوحدات أو الاتحادات الثنائية لا سيما بين الدول ذات الحدود المشتركة وصولاً إلى قيام الدولة القاعدة . 14- الحصول على التكنولوجيا التي احتكرت ونقلها إلى دول الوطن العربي . 15- إيجاد قنوات دائمة للتفاهم والتعاون والتكامل مع الدول الإسلامية أيها الإخوة !.. هجمة عالمية محكمة توجه إلى بلادنا اليوم لعوامل شتى ... ومن لا يطمع في بلاد العرب يغدو على هامش التاريخ... الوحدة السياسية لأوروبا عام 1992 إنها تقرع أبوابنا وأبواب العالم، وهي حدث كبير وكبير جداً، فهي إذا التقت مع بعضها رغم اختلافها عن بعضها تاريخاً ولغة وقومية ومصالح فهي ستكون القادرة على التحكم بدول المتوسط والعالم... ليتنا نأخذ العبرة من هذا الحدث الكبير... ولنضع في حسباننا الظاهرة الثانية وهي تراجع الإتحاد السوفيتي عن مواقفه السابقة وعلاقاته السابقة إذ لم يعد الأمل والملاذ . الوحدة العربية اليوم غدت سراباً، فلنكن موضوعيين في الدعوة لها والنضال من أجلها، لا بد لها من أن تبدأ خطوة خطوة وربما خطوات وئيدة محكمة، والمطلوب منا أن نناضل من أجل هذه الخطوات، وأن نحتفظ بها ونحرص عليها، والحرص عليها يكون بالدفاع عنها وتصحيح أخطائها إن لم نقل تجنيبها الخطأ لكي تكون منارة وعامل استقطاب حيث يمكن تطوير الخطوة إلى خطوات. تذكروا جيدا أن الحياة اليوم غيرها قبل قرون وغيرها قبل سنوات ، كل ما حولنا متطور متقدم، فلنتطور بوسائلنا وأهدافنا وخططنا ومواقفنا مع تطور الحياة لكي نكون في مستوى الظروف والأحداث... يجب أن نتحرر من الفكر التقليدي الجامد في مناقشة الوحدة والدعوة لها، فالوحدة ليست كما يطرحونها عاطفياً حيث عُد القانع بها وحدوياً وحين أصبحت مطالبة الحكام بها موقفاً وحدوياً، والوحدة ليست العواطف المجردة ولا المطالب الساذجة وإنما الإرادة الواعية للجماهير المنظمة والنضال الدؤوب من أجل مستقبل جديد مشرق ، هذا المستقبل العربي الأكثر تقدما والأكثر قوة والأكثر عطاء وعدلاً وديمقراطية... لا وحدة إلا من خلال الشعب بجماهيره الواعية التي تدرس العقبات فتذللها وتضع الدراسات للأرضية الصلبة التي تنطلق منها، وترسم خططها المرحلية والاستراتيجية على المدى القريب والبعيد وتقوّم خطواتها لتتلافى التقصير وتطور النجاح . وكما قلنا سابقاً لم تعد اللغة ولم يعد الأبوان ولم تعد المواطنية هي القرائن الوحيدة للانتساب للعروبة، مطلوب منا الدليل العملي على هذا الانتساب، فإن لم نلتزم بأمتنا يبقى كل هذا مظاهر سطحية لا وزن لها، وكماً لا قيمة له، فالوطن لمن يعمل له ويلتزم به، لمن يحميه، ويعطيه... من الوطنية الصادقة ننطلق إلى القومية الصادقة. يجب أن نعيش الوحدة في صورتها الأساس هنا وفاء وصدقاً وعطاء منطلقاً إلى النضال الوحدوي والبناء الوحدوي . وكما قلنا أكثر من مرة الوحدة لا تأتي لأننا نريدها، الالتماس والرجاء لا يعطي وحدة ، الوحدة انجاز كبير يحتاج إلى رجال كبار، ولا يأتي الكبر من الموقع السياسي ولا من المركز الاجتماعي وإنما يأتي من الموقع النضالي... إنها إنجاز شعبي يحتاج إلى الجماهير التي تلتزم به وتدعمه وتقويه وتصونه وتحميه، الجماهير العفوية الهادرة لا الجماهير الرسمية الشكلية. إن هذا الإنجاز لن يأتي عفوا ولن يقدمه لنا أحد على طبق من ذهب وإنما يأتي بإرادة أصحاب المصلحة فيه نضالاً لا هوادة فيه، منظماً، واعياً، له خطواته ومراحله التي يتدرج فيها. جاعت المسألة الفلسطينية وتفاءلنا بأن تكون سبيلا لوحدة النضال العربي بعد أن تحددت ساحة النضال القومي، إلا أنها مزقت وما وحدت، أضعفت وما قوّت، ذلك لأن الاستراتيجية المضادة كانت أقوى من استراتيجيتنا، ولأن أصحاب المصلحة المباشرة فيها عبثوا وتواطؤوا. القطر العربي السوري اليوم بقيادة الرئيس حافظ الأسد عرين وحدوي ، ما توقف عن الدعوة للوحدة والعمل لها، أي ما وقف عند حدود التبشير بالوحدة وإنما حمل مسؤولياتها وعاش التزاماتها ودفع ضريبة التزامه هذا، إن دعم هذا النظام هو دعم للخط الوحدوي لأن القائد يسبق الجماهير في مواقفه القومية الرائدة وهذا طبيعي لأن الشعوب تسبق حكامها في المواقف الكبيرة، أما القادة فهم الذين يسبقون شعوبهم في هذه المواقف. أيها الإخوة !.. هذه ملاحظات عابرة أطرحها من خلال معطيات الواقع العربي ، تأكيداً منا على ريادة الشعب العربي في نضال الوحدة وقيام الوحدة ، من قناعتنا الأساس أنها ليس دعوة حكام وإنما هي دعوة الشعب ودعوة القيادة فقط . ألم تروا أن التجارب الوحدوية القمّية ما أثبتت وجودها، لأن الأدوات لم تكن صحيحة، فهي ليست مسؤولية الحكام وإنما هي مسؤولية القادة ، والوسائل ليست صحيحة أيضا، تذكرون كلماتنا في مناسبات أخرى : البدايات الصحيحة تقود إلى النتائج الصحيحة. ونحن كفصيك هام من فصائل الثورة العربية يجب أن نقوّم أنفسنا بصدق، يجب أن نحدد مسؤولياتنا. مطلوب منا كحزب : 1- أن نوسع دائرة نشاطنا ونضالنا ليغمر نور الحزب أوسع الجماهير في هذا القطر وأوسع الجماهير في الوطن العربي . 2- أن نثبت وجودنا العقائدي والنضالي كخط وحدوي اشتراكي في ضغطنا على الحكام الإقليميين، مستفيدين من الظروف كافة. 3- بالمنطق السليم، بالعمل الحزبي المنظم، بالمعارضة، بالأساليب الديمقراطية. وبكل أسلوب ممكن يجب أن نتصدى لمساويء وأخطاء الفئات الحاكمة . لإسقاط أعداء الشعب أعداء الوحدة . 4- يجب أن نضع نصب عيوننا أن الهدف الأول والأساس قيام الدولة القاعدة (المنطلق) إذ لا يمكن لأي قطر لوحده أن يكون هذه القاعدة، ولا يأخذ هذه الصفة إلا إذا حقق نصره بلقائه مع قطر آخر أو أكثر، وسورية العربية كما تعرفون هي الجاهزة لهذا الإنجاز الكبير وبحكم وجود القائد الكبير فيه يعلن استعداده له . 5- خطنا هو خط الجماهير، والجماهير وحدوية بطبيعتها، بأصالتها، بوعيها، بحسها القومي، فلنرتفع إلى مستوى أصالتها ولنرفعها إلى مستوى حمل هذه المسؤولية.. كل خطوة إلى أمام هي كسب يجب أن لا نفرط فيه ، نحرص عليه ونطوره إلى أمام ... لا بدّ لنا من أن نطور أهدافنا ووسائلنا وأنفسنا وسلوكنا ومواقفنا ومسيرتنا. رفعنا شعار (الوحدة الاشتراكية) أي وحدة الجماهير، وحدة القاعدة ، وحدة الكادحين العرب أصحاب المصلحة الحقيقية بالوحدة . ولن يحقق العرب وحدتهم الحقيقية إلا بهم ومن أجلهم . إنهم هم الذين سوف يحملون مسؤولية النضال الوحدوي وهم الذين سوف يفرضون ارادتهم بالوحدة... والسلام عليكم
|