|
أيها الإخوة .. موضوع حديثي الآن : (هؤلاء منا وأدناهم) وهذا يقودنا إلى أن نقف أمام أنفسنا، أمام أبناء أمتنا العرب، لكي نقف وقفة النقد الذاتي، ذلك أنه يجب أن ينتهي وإلى الأبد أسلوبنا التقليدي في تبرير تخلفنا وتمزقنا وبعدنا عن الحضارة وعن العصر، ولنسقط عن أنفسنا مسؤولية التقصير، مسؤولية الضعف، وهذا دفاع عفوي عن الذل والهوان بحجة الصهيونية والإمبريالية. إن القوى الخارجية لا تطمع فينا، ولا تدخل إلينا وتنمو وتتقدم إلا إذا كنا ضعفاء وقصّرنا في حمل مسؤولياتنا، إذاً نحن المقصرون، نحن السبب في كل ما نحن فيه الآن، فلنتكلم عن أنفسنا، ولنشر إلى أخطائنا، ولنتهم أنفسنا كي نكون مؤهلين لمعالجة الخطأ وحمل المسؤولية. من هذه المنطقات أريد أن أتكلم عمن هم منا، وعندما ندينهم فإننا ندين أنفسنا لأنهم منا ونحن منهم، نسكت عنهم، نعترف بهم، ونعترف بمواقفهم وكأنها القدر المقدور علينا... أيها الإخوة ا.. لا يمكن لنا أن نلتزم بالنور دون أن ندين الظلام ، وأن نلتزم بالعلم دون أن ندين الجهل، وبالفضيلة دون أن ندين الرذيلة، وبالحق دون أن ندين الباطل، وإلا كنا إمعة هامشيين لا وزن لنا ولا وجود ولا موقف ولا قضية. فالشعوب البدائية وحدها هي التي تلقي اللوم على سواها وتتشبث بالحجج الواهية لتبرير تخلفها ؛ أما الشعوب الحية فهي التي تلقي اللوم على نفسها وتتحمل مسؤولياتها وتبني ذاتها ؛ ونحن المناضلين حين نلتزم بأمتنا علينا أن نفرز خصومها ونفضحهم ونحاربهم دون أن نتهيب مواقعهم وقدراتهم . قلنا في كثير من المناسبات لا يمكن لنا أن نكون وحدويين دون عطاء للوحدة ، ونقول الآن ليس بوحدوي من يطلب الوحدة من سارقها، علينا أن نحارب سارق الوحدة وأن نحطم العائق لكي نبرهن أننا فعلاً مع الوحدة. وإذا سكتنا أمام هذا السارق وغطينا عليه سرقته هذه فلسنا وحدويين، فلتنته من حياتنا ظاهرة الحجة التقليدية بأن الاستعمار والإمبريالية والبرجوازية والإقطاعية والصهيونية ضدنا، ولنقل كلمة الحق أننا نحن ضد أنفسنا، وحين لم نكن نحن مع أنفسنا، مع أمتنا، مع وطننا، طمعت بنا هذه الجراثيم وهل تنمو الجراثيم إلا في الأجسام الضعيفة... ولنتكلم بالتحديد : 1- لقد أدنا القطرية والقطريين ؛ من الثوابت التي آمنا بها نحن حزب الوحدويين الاشتراكيين والتي لا تساهل ولا تفريط فيها هي قضية أمتنا ( الوحدة ) . نحن حزب قومي عربي يؤمن بأن الأمة العربية أمة واحدة ، والوطن العربي وطن واحد، والشعب الذي يعيش في هذا الوطن الكبير شعب واحد، فتجزئة هذا الشعب هي الطارىء، وطموحنا ونضالنا أن يلتقي هذا الشعب مع بعضه ليعيش وحدته، وكل طارىء دخيل يجب أن يزول، ولا يزول إلا بتصميم المناضلين وإرادتهم ونضالهم حيث تسقط القطرية وفكرها ومؤسساتها ومفرزاتها ورموزها وآثارها . كل دعوة قطرية أو موقف قطري مدان في نظرنا، يوصم بالعمالة والخيانة لأنه تنكر لوحدة العرب قضية العرب. نحن نعرف جيداً أن الحكام العرب هم حراس التجزئة، يستميتون في مناهضة التيار القومي ويرون فيه مقتلهم، لأن مصالحهم في استمرار التجزئة، ومن المحزن المفجع أن عديد الكتاب العرب اليوم وظفوا أقلامهم للدفاع عن هذا الواقع المزري وأصبحوا جنوداً مجندين يدافعون عن القطرية والقطريين ويسوغونهما في كل مناسبة، فالحكام العرب هم أنفسهم الذين ارتكبوا الجرائم التالية : آ- مزقوا الوطن العربي إلى أوطان وباعدوا أبناء الشعب العربي عن بعضهم ليجعلوا من هذا الشعب الواحد شعوباً. ب- مثلوا الطبقة البرجوازية والرأسمالية المستغلة في الوطن العربي، وسرقوا ثروات الشعب وقوته، وكانوا مع الظلم ضد العدل، ومع التخلف ضد التقدم، ومع الجهل ضد العلم والثقافة والمعرفة. جـ – فتحوا أبواب الوطن للعمالة وكانوا منفذين لإرادة الأجنبي، واتخذوا من دول الغرب ظهيراً لهم ضد الشعب . د- وكانوا عامل التخلف الأساس عن اللحاق بالعصر وعن حركة التاريخ، فقد حطموا طاقات الشعب وعبثوا بحريته، ومنعوه من السير في الطريق الصحيح . طبعا أنا أتكلم عن الحكام العرب أما القادة فهم وحدهم مع الشعب ، مع القضية، مع حركة التاريخ، فالحاكم شيء والقائد شيء آخر . والوحدوية كما تعلمون ليست كما هو رائج في بلادنا وبلاد العرب كلام وانحياز غير مسؤول، وإنما هي إيمان بالوحدة وسلوك وحدوي يمارسه أصحابه، ومواقف يقفونها مع الوحدة ومن أجلها، وعطاء متواصل لها، لأن الوحدوية مسؤولية كاملة، أما الإقليميون فعسير عليهم أن يكونوا قوميين لأنهم لا يستطيعون أن يتنفسوا هواء الأمة، ويرون في القومية خصماً لمواقعهم وامتيازاتهم، وعسير عليهم أن يؤكدوا حتى عروبتهم، لأن العروبة هي الوفاء للأمة العربية وللوطن العربي ، وعسير عليهم أن يكونوا اشتراكيين، أنا لا أعني بالاشتراكية أن يؤمنوا بالنظام الاشتراكي وإنما أعني بالاشتراكية أن يكونوا في حدودها الدنيا وهى الإخلاص للوطن وأبنائه بالعدل في توزيع الثروة والمساواة في المواطنية والإنسانية. الإقليميون متعالون على الشعب، سارقون لقوته وثروته وحريته، لذلك أدناهم، والقطريون لا بد لهم من أن ينقلبوا إلى إقليميين انعزاليين... ومن المحزن المفجع أننا لم نوجه إليهم أصابع الاتهام بشكل جدي ولم نعلن الحرب عليهم، لأن الإدانة وحدها لا تكفي . 2- أدنا التعصب القومي وعددناه شوفينية مدانة لا بل وعددناه يصب في تيار العنصرية المنبوذة منا، فالشوفينية تتناقض مع إيماننا بقضيتنا، والمؤمن بقضيته يحترم قوميات الآخرين ويعيش معهم الانفتاح والتسامح والتعاون والتكامل... نحن أيها الإخوة لا نتعالى على أحد، ولا نحتقر أحداً، ولا نهضم حقاً قومياً لأحد بشرط أن يكون هذا الحق تاريخياً وحقيقياً وليس على حساب الآخرين . نحن لا نطلب الحق والعدل لقوميتنا ونرفضه لقوميات الآخرين، لا يمكن لنا أن نرفض هذا الحق للقوميات، فالايمان بالحق لا يتجزأ ولا يتناقص، ما دمنا مؤمنين بالحق لقوميتنا يجب أن نؤمن بالحق لقوميات غيرنا إذا ملكوا مقومات القومية كاملة وكانوا أهلاً لها وما كان ذلك تجنياً على حقوق الغير... فالشوفينية تفتح الأبواب على صراعات داخلية جانبية لا مبرر لها، تمزق الصف الواحد، تغرس الأحقاد، إن جميع شعوب الأرض ما تقدمت وما جنت ثمار نضالها القومي كاملاً إلا حين تحررت من التعصب القومي، لأنه لا يمكن للقومية أن تلغى قومية أخرى، فالقوميات لا تموت. ومن عجب أن بعض القوميين يتصورون أنفسهم أنهم يخلصون لأمتهم من خلال التعصب الأعمى لها وما دروا أنهم في سلوكهم يدينون قوميتهم ، فالعرب حين كانوا أقوياء قادرين ما تعصبوا ما تزمتوا ما أهانوا الغير، فكيف بنا ونحن لا نملك شيئاً وثمة من يدعو إلى أن نسلب الغير حقه... القومية العربية التي هي وعي للذات القومي، والتزام بها، وعطاء لها، هي أيضاً صدق مع أخلاقنا وقيمنا، التزام صادق بأمتنا وتقاليدها، وانفتاح على كل ما يعزز إنسانيتنا. 2- أدنا التعصب الديني والتعصب الطائفي : فالتعصب الديني الذي يمثله الأصوليين، وثمة اعتراض على كلمة أصوليين، ولنقل المتعصبون للدين الشكل أو لجانب من هذا الدين، هذا التعصب يمثلة بعض المسلمين والمسيحيين في بلادنا، إنه يمزق وحدة الشعب، ويشوه صفاءه ويغرس في النفوس الحقد والحذر، ويشجع أصحابه على الصراع والاقتتال . أيها الإخوة ... الدين الإسلامي دين واحد لا أديان ، وهو دين الوحدة لا دين التمزق، دين التسامح لا دين العداوة ، دين الانفتاح لا دين الانغلاق ، والدين المسيحي أيضاً دين المحبة لا دين الحقد، دين الانفتاح لا دين الانغلاق ، والمسلمون والمسيحيون أبناء هذا الوطن عبر التاريخ، أما الطائفية فهي دخيلة على الدين، وهي سياسية مهما حملت من أسماء الطائفية، وهى مدانة منا لأنها تمزق ولا توحد، تضعف ولا تقوي ؛ الطائفية عبر التاريخ عاشت الحقد للوطن والمواطنين ، وكانت عامل التخلف لأمتنا وشعبنا. ليس الموضوع بيننا وبين الأصوليين هو صلاحية الدين الإسلامي للحكم أو عدم صلاحيته، وإنما موضوعهم سياسي يغرسون الحقد ضد الوطن والمواطن ، وضد القومية والوطنية والعائلية لأن المسلم عندهم لا وطن له (هذا ما قرأته في كتب الأخوان المسلمين وأذكر اسم الكتاب: الإسلام بمجلديه وجند الله لسعيد حوى ) إنهم يعتبرون الدين الإسلامي عالمياً وأن المسلم مطالب بأن لا يخلص للوطن والشعب والعائلة لأن الوطن الذي يعيش فيه ويشرب منه ويأكل منه ويأخذ معاشه منه ويسدد حاجاته منه ليس وطناً لأنه لم تطبق فيه الشريعة الإسلامية، وهذا طبعاً مناف للمنطق وللعقل وللوطنية وللإنسانية ومعاذ الله أن يكونوا مؤهلين لحكم الله وتطبيق الشريعة. نحن الوحدويين الاشتراكيين نرتبط بالإسلام العقيدة والتراث الثقافي والتاريخ والرسالة، نحن هنا نمثل العروبة الحية، أقول العروبة الحية المسؤولة الفاعلة، لأن كلمة العروبة لوحدها لم تعد تعني كل هذا، نردها إلى أصالتها وحيويتها لتغدو العروبة رسالة وقضية، وحيث تغدو أيضاً مسؤولية كاملة، لكي نفرق يين العروبة الانتساب التقليدي وبين العروبة المسؤولية تجاه الوطن والأمة. لقد دخلت الطائفية إلى الدين مع الأطماع السياسية، لقد دعت إليها وبشرت بها ودعمتها وعززتها القمة الحاكمة للتمييز بين المواطنين وتمزيق صفهم . والانتماء الطائفي كما تعلمون يأتي للمواطن دون خيار، الطائفية جاءتكم جميعا دون أن تختاروها، لأنها جاءت من الأبوين والمجتمع، ومن عجب أن ينقل هذا الإلزام لنا، وما كان لأحد منا خيار فيه، فالأبوان، والمجتمع، والتقاليد، والظروف... الدين أصل والطائفية طارىء دخيل، ليست الطائفية مؤسسة يشار إليها، لها تقاليد تعرف بها وإنما هي ولاء... لقد أتى التمييز الطائفي من الحكام لا من الشعب لأنها سلب لحقوق ومنح لحقوق، وهم المستفيدون الوحيدون منها، وهذا ما بدا جلياً في لبنان الشقيق . العروبة عندنا تعنى الإسلام والمسيحية، ولا عروبة إذا ناهضت المسيحية أو الإسلام ، فالعربي حين يحارب الإسلام يفقد صدقه مع عروبته، وهو حين يحارب المسيحية يفقد صدقة بعروبته لذلك أستطيع القول : نعم للإسلام ولا لأدعيائه الكاذبين معه دعاة الطائفية... نعم للمسيحية ولا لأدعيائها الطائفيين... 4- لقد أدنا العملاء : والعملاء مواطنون منا لهم سيد خارج البلاد، والانتهازي إما عميل فعلاً أو جاهز للعمالة، والعمالة تطلع لما هو خارج الوطن وخارج الأمة، فالعميل تابع للغير ونحن نرفض أن يكون بيننا من ليس للوطن والمواطنين . قلت : العملاء يعيشون بيننا، يأخذون خيراتنا، أجسامهم هنا وقلوبهم وأيديهم مع الأجنبي ، وأغلب هؤلاء هم حكام وذوو نفوذ، يعاملون الشعب معاملة الرعية، وهم أنفسهم رعية بالنسبة للأجنبي، يجب فرزهم والتشهر بهم ، لا بل يجب اجتثاثهم والقضاء عليهم وهؤلاء كثر كما تعلمون ، وإذا أدنا العمالة فذلك لأن العميل هنا يمكن له أن يكون عميلا هناك، أي أنه سلعة معروضة للبيع ولمن يدفع أكثر . 5- لقد أدنا الحياد والحياديين هل تتصورون ابناً يدع أسرته للاستباحة والفناء ويعرض عنهم بحجة أنه على الحياد... فالمعتدون يحسبون حسابهم أن جميع أبناء الوطن ضدهم ، وحين نجد بين أبناء هذا الوطن من لا ينحاز لوطنه لأمته يغدو هذا مع المعتدين . الحياديون كلمة انهزامية جبانة بعيدة عن الوطن، تأخذ جانب السلبية وهي تدعي الحياد، تنتقد وتهاجم وتقول نحن على الحياد، إنها لا تؤيد الوطن ولا تلتزم بخطه ولا تحمل مسؤولياتها تجاهه بحجة الحياد ؛ وهذا الحياد المزعوم في نظرنا هو ضد الوطن وليس مع الوطن . ولعدم الالتباس أقول لا أعني بالحياد سواد الشعب الذي يقدم الجهد والعرق والشهداء دون منّة وهو غير ملتزم بالأحزاب السياسية، هذا الشعب ليس على الحياد لأنه إيجابي معطاء ملتزم ، أما الذي أعنيه هو الحياد المسيّس والحياد المثقف، والحياد القادر على العطاء وهو محجم عنه، وهو عقيم وهدام، يفتش عن السلبيات في الوطن ليضخمها وينشرها بأسلوب سلبي فيه تشكيك بالمسيرة . أيها الإخوة ... لا أرى غضاضة من التكرار، لقد قلت لكم أن كلمة المواطن جاءت من ارتباط الإنسان بالوطن وحبه له وحرصه عليه والتزامه به، فالسكن في الوطن لا يكفى لاكتساب شرف المواطنية وإنما لا بد من الدليل ، فالصهيونية مثلاً يقوم وجودها على نفى وجودنا والعكس صحيح، إننا أمام معادلة واضحة، فلماذا لا يكون كل المواطنين مسؤولين عن وطنهم !.. إن العدوان على بلادنا وفي هذا الظرف لا يفرق بين المواطنين، والحياد في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها شعبنا وأمتنا هو جريمة يحب أن نقتص من أصحابها. 6- أدعياء النضال الانتهازيون : هؤلاء الذين يحملون شعارات لا يؤمنون بها ولا يعيشونها، يزاودون على المناضلين بالكلام الرخيص يلقونها في مناسبة و دون مناسبة هنا وهناك وهنالك. في منطق نضالنا نحن الوحدويين الاشتراكيين مرفوضة كلمة (ناصر) دون ناصرية، فالذين يزاودون باسم عبد الناصر ودون قضية، هؤلاء مرفوضون لان الناصرية فكر وسلوك ومواقف وعطاء. وفي منطق نضالنا مرفوضة كلمة (بعثية) دون التزام بقضية البعث العربي الاشتراكي التي هي الوحدة والحرية والاشتراكية والديمقراطية والثورة. وفي منطق نضالنا مرفوضة كلمة (وحدة اشتراكية) دون التزام بفكرنا وخطنا وسياستنا وأخلاقنا والتزام بأنظمتنا وقراراتنا . لا بل مرفوضة صفة (العروبة) لأي إنسان في هذا الوطن دون إن يفي ويصدق ويخلص للعروبة، ويحبها ويلتزم بها. ويدخل في هذا الحقل كم كبير نطلق عليه صفة (الانتهازية) المتسلقين الهامشيين، هؤلاء الذين لهم في كل عرس قرص، مصالحهم أولا، يتملقون الحكام، يتملقون ذوي النفوذ، ويتملقون النضال والمناضلين، يدخلون الأحزاب ويخرجون منها حسب المصلحة، إنهم مع القوي دائما، يدخلون في التوازنات، ويأخذون ولا يعطون، يبالغون في المدح، يبالغون في الذم، لهم وجهان مع وضد، يدّعون الأخلاق ولا علاقة لهم بها، يحملون الشعارات ولا يعيشونها، يهربون من الغرم ويحضرون في الغنم، أنهم مع الوطنية مع القومية مع الوحدوية مع الاشتراكية حين تكون الكفة الراجحة فيها، وهم مع العمالة والخيانة حين لا تكون الكفة مع أهداف النضال ، أنهم مع القطرية مع التجزئة مع الاستغلال دائما، وهذا طبيعي لان كامل نضالهم كلام، وكامل مواقفهم شكل، يبيعون الوطن والأمة والقضية، ولا يتحرك لهم ضمير، يخونون أحزابهم، يخونون أصدقائهم... جاءنا منهم كثيرون ولفظنا منهم كثيرين ، هؤلاء الانتهازيون هدموا العلاقات الاجتماعية، مارسوا الدس والوقيعة، أساؤا إلى القيم والأخلاق، هدموا الأحزاب والأوطان، إنهم مؤهلون دائما للخيانة والعمالة. إنهم مؤهلون لكل شيء من أجل انانياتهم ومصالحهم . إذا دخلوا الأحزاب تصدروا صفوفها من خلال تملقهم ومزاودتهم بالتظاهر بالايمان والولاء والإخاء ، وما أن يأخذوا مركزا ما حتى يرفسوا النعمة التي قدمت إليهم ، وينكروا الجميل ، ويخونوا الحزب وقيادته واقرب الناس إليهم، وربما تصوروا أنفسهم أكبر من حزب ، إذا دفعوا قرشا اخذوا لقاءه إلفا، إذا حاربوا يوماً منّوا على الأحزاب والوطن دهرا ، هؤلاء الانتهازيون طفيليون لا انتماء لهم ولو زاودوا على الغير بالعقائدية، موجودون في القمم والقواعد، إنهم يسقطون في أول امتحان جدي ، وغالبا يستغلون الغفران ليرتكبوا إساءات جديدة إذا رفعتهم برزوا صغارا تافهين ، لاهم لهم إلا المال والمصالح ، لا تزعجهم نقمة الناس عليهم ، وجودهم إساءة للوطن والمواطن ، وهم لا يكتفون بانحرافهم وخيانتهم وإنما يشجعون الغير على الانحراف والخيانة. ظهروا في عهود اليهود وهم من القمة إلى القاعدة ، كان اليهود انتهازيين بطبيعتهم ، غدروا بالرب، بالأنبياء ، ببعضهم ، بالشعوب المجاورة لهم والتي آوتهم وأطعمتهم ، نقضوا العهود، خانوا الأمانات، قتلوا بعضهم بعضا. ظهروا في عهد السيد المسيح وباعوه ، كلكم تذكرون قصة يهوذا الاسخربوطي مع السيد المسيح، ولا أرى غضاضة من أن أقصّ عليكم قصة جرت في زمن السيد المسيح : مرّ السيد بمقبرة ، فوجد فتى يبكي على قبر عيناه محمرتان والهزال باد عليه، قال له : مالي أراك هنا وفي هذا الوضع المزري ... اجابه الفتى : لقد ماتت حبيبتي وقررت البقاء على قبرها ابكيها إلى أن أموت معها، رق السيد المسيح لحاله وقال : انهضي يا فتاة ورفعت الفتاة التراب عنها وتعانق الحبيبان وذهب المسيح . ولان السهر اخذ منه مأخذه نام الفتى على ركبة فتاته لعله يستريح ، مرّ من أمامها أمير جميل على حصان ودعاها إليه فوضعت حجرا تحت رأس الفتى وركبت الحصان وراءه ، شعر الفتى بصلابة الحجر فرفع رأسه ووجد فتاته على الحصان مع الأمير، فركض وراءه ، وفي الطريق شاهدهما السيد المسيح فأوقف الجميع وشكا له الفتى أمره ، فقال المسيح للفتاة : لماذا فعلت هذا ... ! قالت : أنا لا أعرفه. قال لها : ألا تعرفينني ! قالت : ولا أنت قال لها : ألم اعد إليك الحياة بعد موتك ! قالت : لا قال : اعطنا ما أعطيناك وخرت على الأرض ميتة. تجربة صغيرة مرت فيها الفتاة باعت حبيبها، وما أكثر هؤلاء في السياسة والفكر والنضال؟!.. إننا أيها الأخوة إمام امتحان دائم ويومي ، وفي كل يوم نحن نمتحن لكي يبرز إيماننا ونعرف فيما إذا كنا قريبين من المبادىء مخلصين بها صادقين معها أم لا. وظهر هؤلاء في عهد رسولنا العربي الكريم ، لقد تآمروا عليه في حياته وتآمروا عليه بعد أن لقي وجه ربه، واساؤوا إلى الرسالة، لقد امتطوا موجة الإسلام لكي يسخروه لمصالحهم ومصالح أسرهم مما كان سببا في المآسي التي شهدتها بلادنا. الحزبية أيها الأخوة هي أعلى مراحل التنظيم وأقواها، ومع كل هذا فلم تخل الأحزاب السياسية منهم، لم تخل من مرض الانتهاز الطفيلي . في مرحلة وجودي في حزب البعث العربي الاشتراكي في الأربعينات والخمسينات أدخلني هؤلاء إلى السجن مرات لأنهم مروا في مرحلة الاختيار وسقطوا. وفي عهد الانفصال غدروا بي ودفعوا بي إلى السجن مرات وغدروا بالحزب. وفي بداية الثامن من آذار غدروا واساؤوا وتسلقوا. وفي مرحلة الانفتاح التي بدأت مع 23 شباط 1966 وبعده كان لهم من المناصب نصيب إلا إنهم خانوا الأمانة، لقد كان الثوب الذي لبسوه فضفاضا عليهم لذلك ضاعوا فيه، ظنوا أنفسهم كبارا من خلال المركز الذي أثرهم الحزب به وما مارسوا من الكبر غير التكبر والغرور، وحين وجدوا الناس حولهم نفخوا اوداجهم وتعالوا على الغير واخذوا يرفسون هنا وهناك . وتصوروا أنفسهم اكبر من الحزب وحين سقطوا غدوا عفطة عنز لا يشعر بهم أحد . نحن حزب الوحدويين الاشتراكيين آمنا بالصدق وتصورنا أن كل من هو معنا لا يكذب لا ينافق، ولكننا أخطأنا في الحساب طبعا مع القلة من أعضائنا لأن الذين سقطوا هم القلة الضئيلة، لقد تصورنا، وهذا من جملة أخطائنا- إن الأكثر فقرا هو الأكثر أصالة وصدقا، وكان هذا التصور في غير محله لان الأخلاق لا تتحدد بالموقع الاجتماعي . أيها الأخوة : كلمة السر في نجاحنا كأمة هي إن تكون أحزابنا قوية، نحن الحزب الذي غالى في الدعوة إلى سيادة روح الأسرة فيما بيننا ، لان سيادة روح الأسرة هي التي تقوي الأواصر وتمتن العلاقات وتجعلنا صفا واحدا مع بعضنا بعضا، إن وحدة الحزب قوة له، وقوة الحزب هي قوة للأمة. الداء فينا نحن وليس في عوامل خارجية ، إذا أخلصنا لأنفسنا احترمنا الجميع، وإذا لم نخلص لأنفسنا اى لم نخلص لبعضنا ولم نفِ لبعضنا لن يخلص لنا أحد، فالبداية نحن، والنهاية نحن، وحين نصارع بعضنا يطمع فينا الجميع، وحين نبقى أوفياء لبعضنا يحترمنا الجميع . أيها الأخوة: كونوا مع الحزب، فالحزب هو الأقوى والأكثر صدقا مع طموحات امتنا، لقد سقط الأدعياء وبقى الأعضاء، والطريق طويل، من تعب فليسقط ، ومن شابت أخلاقه الشوائب فليسقط فحزب الوحدويين الاشتراكيين هو الباقي وهو الصادق وهو الخالد . وشكراً لكم
|