Home هل الناصرية نظرية

هل الناصرية نظرية

هل الناصرية نظرية هل الناصرية نظرية .!..
بقلم

الأمين العام للحزب الاخ فائز إسماعيل
خير ما نبدأ به هذا الموضوع هو كلمة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في مناقشته اللجنة التحضيرية في 25 تشرين الثاني 1961:
" لم يكن مطلوبا مني في يوم 23 يوليو أن أطلع ومعي كتاب مطبوع ، وأقول : إن هذا الكتاب هو نظرية مستحيل .. لو كنا قعدنا نعمل هذا الكتاب قبل 23 يوليو لم نكن عملنا 23 يوليو!..
" في الاسلام ، كان يقدر ربنا يرسل مع سيدنا جبريل كتاب مطبوع ومجلد ويقول : هذه هى النظرية، هذا هو القران ، وهذه هى العقيدة ، وقد حدث ذلك ليعطينا ربنا في حياتنا عبرة وعظة..
" ابتدأ الاسلام باشهد أن لا اله الا الله ، وأن سيدنا محمدا رسول الله .. ابتدأ الاسلام بهذا.. جملتان.. لم يبدأ بكل ما هو موجود في القرآن ، ثم بدأ بعد هذا أيضا الاسلام يعطينا عبرا وعظة في حياتنا، فقد قال بالنسبة للسؤال عن الخمر: ( فيها اثم وفيها نفع، ولكن اثمها أكبر من نفعها.. بعد ذلك قال : ( ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) بعد ذلك حرم الخمر وقال : ( انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) .
" 23 سنة لغاية تمام القرآن ، وتم نزول القرآن ، لماذا فعل الله ذلك ؟ فعله حتى يعطينا الفرصة والدليل أو الوسيلة التى نقدر أن نعمل بها في حياتنا وفي دنيانا ".
صحيح ان القائد الراحل قدم الى شعبه كتاب (فلسفة الثورة).
وصحيح انه صاغ المبادىء الستة المشهورة تعبيرا عن هدفه.
1- القضاء على الاستعمار وأعوانه 2- والاقطاع والاحتكار 3- وسيطرة رأس المال على الحكم 4- واقامة العدالة الاجتماعية 5- وبناء جيش وطني قومي 6- واقامة حياة ديمقراطية سليمة.. كانت المرشد لخط الثورة ودليل عملها..
وصحيح انه قدم (الميثاق الوطني) يوم 21 مايو 1962 الذي كان جامعا لاهداف الثورة بكثير من الوضوح والاسهاب والدقة والموضوعية.. وصحيح أيضا أنه قدم ( بيان مارس ) في 30 آذار 1968 الذي كان ثورة على الثورة نفسها، لان به عمق الديمقراطية وأسقط (دولة المخابرات) "المشير عامر، شمس بدران، صلاح نصر " وسلم الشعب مقاليد أموره .
وعمق التحويل الاشتراكى حين أعاد النظر بالحد الاقصى للملكية الزراعية فأنزلها من مئتي فدان الى خمسين فدان مع صدور قانون الاصلاح الزراعي الثالث .
وأخذت التنمية ابعادا جديدة، وترسخت قواعد الصناعات الثقيلة في مصر ( مجمعات الحديد والصلب والالمنيوم ) واستمر العمل لاتمام المرحلة الثانية من السد العالي .
وعمق النضال الوحدوي، وأعيد البناء السياسي من جديد ليسري دم جديد في الاتحاد الإشتراكى العربى الذي بدأ يأخذ صفة الحـزب القومي ..
ولكن الاصح من كل هذا ثلاثة ظواهر أساسية :
الأولى: ان السيد الرئيس أغنى هذا الفكر بخطبه وأحاديثه وتصريحاته ومؤتمراته الصحفية.
الثانية: انه أغناها وفسرها بمواقفه ونضاله..
الثالثة: انه لم يكن للمثقفين دور في ثورة يوليو ليغنوها بالفكر المسبق لها، وانما كانت عناصر الجيش هي مادتها وقيادتها، بل يمكن القول : ان المثقفين كانوا أحد فريقين : اما حذرين منها، سلبيين ضدها وهم الغالبية، واما متفرجين عليها ينتظرون مرور الايام ليقرروا موقفهم منها..
لرب سائل يسأل : ما الفرق بين البعثية والناصرية، ونرى ضرورة الاجابة على هذا السؤال :
البعثية تنسب الى الحزب الذي أعلن دستوره عام 1947 والمقالات الفكرية المتكاملة في شرحه التى انتهت بـ (المنطلقات النظرية) عام 1963، وما تبعها من شروح ودراسات كانت كلها تتخذ الدستور والمنطلقات أساسا لها في الشرح والتفصيل.. أي أن القائد الفرد لا وجود له في ملحمة البعث وأن تميز البعض على سواه في العطاء ، وانما كان الافراد بعض وسائلهـا من أجل ترسيخ فكر البعث وخطه وتوضيح قضيته، وكثيرون من هؤلاء القادة تحملوا مسؤولية الفكر ولم يتحملوا مسؤوليه النضال المسؤول..
*
اما الناصرية فغير ذلك لانها بدأت من الفرد فكرا وسلوكا ومواقف :
لقد قامت الناصرية على تجربة القائد الذي حمل مسؤولياتها، وعبأ طاقات الشعب معه ، فحرك شعبه الصغير وأمته الكبيرة ، ومن خلال الفرد المفكر المناضل كانت الحركة الناصرية.
لذلك كانت الناصرية كل ما قدمه الفرد من فكر وما مارسه من أعمال ومواقف ، ونسبت القضية الى قائدها وراعيها ومطورها ، وان كان الرئيس الراحل في حياته يضيق ذرعا بتسمية (الناصرية) وله أكثر من تصريح في رفض هذه التسمية .
فاذا كان للبعث العربى الاشتراكي فضل السبق في توضيح القضية العربية واجمالها في (الوحدة والحرية والاشتراكية) واستقطاب المناضلين تحت هذا الشعار، وانه جاء قبل عبد الناصر بخمسة اعوام أغنى السا حة العريية بما قدمه من فكر ومواقف ..
فان الناصرية لم تكن مناقضة للبعث في أهدافه وكامل مسيرته، وانما وسعت دائرة النضال، واحتوت قاعدة جماهيرية كبيرة، ووضعت فكر (الوحدة والحرية والاشتراكية) موضع التطبيق على المستوى القطري والعربي والدولى، والبعث لما يصل الى السلطة بعد..
" وما ( الحرية و الاشتراكية و الوحدة ) الا (الوحدة والحرية والاشتراكية) فهما في الجوهر واحد، لأنها هدف الأمة في إقامة دولتها الواحدة، ومجتمعها العربي الاشتراكي الديمقراطي الموحد!..
*
فالناصرية ليست نظرية محددة جاءت مبوبة منظمة، ولكنها فكر متكامل، تطور مع الزمن، وتجربة متكاملة.
ولا فصل مطلقا بين الفكر والتجربة في مجال دراسة الناصرية .
تميزت ناصرية الفكر والتجربة بظاهرتين اثنتين لم تملكهما العديد من الحركات الثورية الكبرى في التاريخ :
الأولى: أنها لم تحتم بالعموميات والمطلق، وانما تعرضت بدقة لأبسط متطلبات الحياة لمصر والعرب ، وكانت تملك الجواب لتساؤلات المواطن العربي في كل مكان من الوطن العربي . الثانية: ان الإنسان العربي ، كان موضوع الناصرية : حرية وكرامة وطاقة وإنسانية وعروبة.
لذلك :
لم تقف الناصرية عند حدود ازالة الحيف عن الانسان ، وانما انصرفت الى تحريره وتطويره وتسليمه مقاليد اموره .
لم تقف الناصرية عند حدود تحرير مصر وانما انصرفت الى الاسهام في كل عمليات النضال العربى، ولم تتقوقع على نفسها في أرض الكنانة وانما دعت إلى وحدة العرب من المحيط الى الخليج .
*

الناصرية ثورة متطورة :
في كل ثورات التاريخ وقف قادتها في المكان الذي انطلقوا منه، ومن الشعارات التى أعلنوها، والفكر الذي التزموا به، الا ثورة يوليو فانها خضعت للتطوير المستمر ومن قائدها نفسه ..
لقد بدأ عبد الناصر بفلسفة الثورة 1953 وبمبادئه الستة، و بدعوته للقضاء على الظلم الاجتماعي وإقامة العدالة الاجتماعية، وكانت (هيئة التحرير) وكان شعارها ( الاتحاد- النظام- العمل ) وخاض بهذه الهيئة معارك القتال ضد الإنكليز، ووزع من خلالها السلاح . على الشعب، وقام هذا الشعب بالاعمال البطولية الخارقة ضد المعسكرات البريطانية..
ثم تطورت الثورة الى (الاتحاد القومي) 1956 وكان هذا الاتحاد جبهة وطنية تضم أبناء الشعب : ماعدا الرجعيين والانتهازيين واعوان الاستعمار. وجاء مع الاتحاد القومي دستور 1956، والوحدة الرائدة بين سوريا ومصر عام 1958 وكان شعاره : ( الاشتراكية التعاونية )
وحين تسلل الرجعيون الى الاتحاد، نقد القائد نفسه وقال " لقد كنا دائماً نرفض المصالحة مع الاستعمار ، ولكنا وقعنا في خطأ المصالحة مع الرجعية ) .
ثم تطور الى (الاتحاد الاشتراكى العربى) 1962 الذي قام على تحالف قوى الشعب العامل (الفلاحون والعمال والجنود والمثقفون والرأسمالية الوطنية ) وكان شعاره ( الحرية والاشتراكية والوحدة ) .
ومن خلال هذا الاتحاد سقط الكثيرون من قادة الثورة الذين لم يستوعبوا : الوحدة أو الاشتراكية أو الديمقراطية.
وحين كانت نكسة حزيران 1967، كان لا بد من الجديد فجاء:
بيان 30 مارس 1968 وسقوط دولة المخابرات (مراكز القوى) ورأى أن ( الحل هو أن يكون لدينا كادر وحزب) ( اننا نريد الحزب الاشتراكي داخل الاتحاد الاشتراكي) .
*
حين نعلم بان ملحمة الثورة الناصرية هى (الفكر والتجربة)، وإنها أعطت وأغنت، وصمدت هذا الصمود الطويل ، ولم يأت حتى يومنا هذا فكر يتقدمها او ينافسها، وانها لا تزال عملاقة بين الايديولوجيات المطروحة ، نستطيع القول : (ان الناصرية نظرية).
اننا نحن الوحدويين الاشتراكيين أحببنا عبد الناصر، وتجاوبنا مع فكره وتجربته مذ بدأ بالنقاط الست عام 1953، وتجاوبنا مع نضاله في نصره وفشله. وتقدمه وتقهقره. وقوته وضعفه.
لقد تجاوبنا مع ملحمة الناصرية تجاوبا أصيلا صادقا، لا ننشد من تجاوبنا هذا ونضالنا معها إلا أن نبقى منارة دائمة الاشعاع والعطاء ، لم نطالبها بغنم ، وإنما طالبناها بالعطاء للقضية .
سرنا معها في كل حين ، وأخذنا منها الفكر والتجربة ، وأعطيناها النضال والتضحية ..
وبقينا معها في كل مواقفها ، وبقينا مع قائدها حيا وميتا، ونحن أوفياء له وهو في جوار ربه أضعاف وفائنا له حين كان بين ظهرانينا ، لكي نعوض الفراغ الذي كان يملؤه بحضوره ..
ولسوف نسلط الاضواء على الفكر الناصري، لكى نعطي القاريء العربي الصورة الصادقة عن هذه النظرية بادئين بالاجابة على الاسئلة التالية:
ما هو رأي الناصرية بالحرية !..
ما هو رأيها بالاشتراكية !..
ما هو رأيها بالوحدة !..
ما هو رأيها بالثوره !..
فالى العدد القادم : ما هو رأي الناصرية بالحرية !..

نشر في مجلة الوحدوي الاشتراكي
العدد 96 1 شباط 1980